قرأت خبرا يقول بأن الشرطة الهولندية قد عثرت على أسرة مكونة من أب وأبنائه الستة، منعزلة في قبو منزل بمزرعة نائية في إحدى القرى، وتم العثور على الأسرة بعد هروب الابن الأكبر من القبو والإبلاغ بأن والده يحتجزه هو وإخوته في القبو منذ تسع سنوات، وأنهم لم يخرجوا منه منذ ذلك الحين انتظارا لنهاية العالم.

وقد يبدو الخبر غريبا بعض الشيء، خاصة أن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في الوقت الذي قرر فيه الأب الانزواء انتظارا للنهاية، وأظن أنه فقط قد اقتنع بسيناريو فيلم «2012 « الذي كانت قصته تدور حول فكرة أن العالم سيفنى في عام 2012م.

لست من الذين استهواهم الفيلم وقتها، ولم يعجبني، ولكني الآن أجد أن وسائل التواصل هي التي تبشر بنهاية العالم بطريقة أكثر جدية من تلك التي اتبعها الفيلم الخيالي.

والمشكلة الكبرى أن كثيرا من البشر يعيشون داخل هذا العالم الوهمي أكثر مما يفعلون خارجه. تصورهم للحياة مبني على الموجود في «الترند». طريقة تفكيرهم تعمل في اتجاه واحد فقط وهو تلبية ما يريده المتابعون، بل إن البعض يظن أنه سيغير الواقع بمجرد تغيير «الهاشتاق»، وأنه سيقضي على الأعداء من خلال شتمهم في تويتر.

حين أقرأ بعض رسائل الواتس اب وتغريدات تويتر ـ وهما الأكثر استخداما في السعودية ـ ينتابني قلق من وجود ميليشيا خارج منزلنا تقتاد الناس قسرا إلى الحفلات الغنائية وفعاليات الترفيه، أشعر أن الأمر لم يعد مجرد خيار ضمن الخيارات، ثم تغمرني الرسائل مجددا متحدثة عن الهلاك الذي اقترب، وبقليل من المؤثرات الصوتية والآهات، أبدأ في الخوف من الذهاب للمسجد لأني على وشك الاقتناع أن الحكومة قد أرسلت قواتها للقبض على كل من تسول له نفسه أن يدخل مسجدا ويفكر في الصلاة سرا أو جهرا. وأنا أخاف من الحكومة أكثر من خوفي من التأخر في العودة للمنزل.

وحين أتهور وأدخل مسجدا أو أذهب إلى أحد الأسواق وأدخل المصلى وأجد الزحام وكثرة المصلين أستغرب قليلا من هؤلاء الميتة قلوبهم الذين لا يخشون بطش الحكومة ـ ممثلة في هيئة الترفيه ـ بالمصلين والمصليات.

الجميل في الأمر أني حتى هذه اللحظة ورغم تحذيرات الواتس اب وحملات تويتر لم أفكر جديا في احتجاز عائلتي في قبو انتظارا لنهاية العالم، وقد أقنعت نفسي أن سبب عدم تفكيري في الأمر هو أن الحياة لا زلت تستحق أن تعاش، وأن الواقع ليس كارثيا كما يصوره لي أصدقاء الواقع الافتراضي، وأن الخير موجود، وأن الفضيلة لم تمت، وأن جموع المصلين الذين يتزايدون على المساجد دون أن يقتادهم أحد لفعل ذلك أكثر صدقا وإيمانا من الذين يفعلون ذلك إجبارا وإكراها، وأن السعودية كانت ولا زالت وستبقى ـ إن شاء الله ـ بلاد الحرمين وقبلة المسلمين، وسيبقى السعوديون محبين لله ورسوله والمسلمين والعالم أجمع، لكن هاجسا يقول لي: أنت تصدقهم، أنت فقط لم تحتجز عائلتك لأنه ليس لديك قبة ولا منزل خاص بك مثل ذلك الهولندي البائس.

وعلى أي حال..

الخوف من الله وخشيته وتقواه عماد حياة المسلم، لكن الأمر أصبح تخويفا وترويعا، وتصوير أن ما يحدث في السعودية بأنه سيكون سببا في نهاية العالم، لكن بمجرد فعله خارج حدودها فإن في الأمر سعة ولا مشكلة في انتظار العالم قليلا قبل أن ينتهي.

agrni@