لم يكن العراق فقيرا في موارده ولا في كوادره، فهو غني بثرواته الطبيعية وموارده البشرية، ولديه من المقومات ما يجعله يعيش رفاهية وأمنا واستقرارا، مماثلة لما يعيشه محيطه الخليجي الغني والآمن والمستقر، لكنه يعاني كثيرا، وكأنه بلد معدم من كل شيء!

تبعات الفشل ونواتجه من الفقر والفساد والبطالة وعدم الاستقرار لم يعد ممكنا تحميلها لنظام سابق تم اجتثاثه من جذوره، ولم تعد له بقايا في الذاكرة العراقية، ناهيك عن واقعها، بقدر ما هو فشل تسببت به أدوات اليوم، وأنتجته عوامل الحاضر المرتبط بإيران.

شكل العراق الجغرافيا الأهم في أهداف التوسعات الفارسية القديمة وامتداداتها الحديثة اليوم، ومثل نقطة أولى في اهتمامات الأنظمة المتعاقبة في إيران من حكام ‫»فارس» قديما، إلى معممي «قم» حديثا، إضافة إلى أن إيران ترى في العراق - بحكم أغلبيته الشيعية - مساحة يحق لها التحكم بتوجيه سياسته بما يتواءم مع أطماعها وأهدافها.‬

العراق اليوم بما يشهده من بؤس وفقر ومن مظاهرات رافضة للوضع السائد هو نتيجة حتمية للتدخل الإيراني، إذ تعبث به كيفما شاءت، وتتدخل في سياسته وقراراته، عايش شعبه هذا الوضع كثيرا بتراكمات فاضت عن قدرته على تحمل المزيد منها.

لعل اللافت الإيجابي في الثورة العراقية أن المدن التي تسكنها الطائفة الشيعية تمثل مركز ثقل الثورة الثائر، ومنطلقها الأول، يقودها شباب هذه المدن الباحث عن مستقبل خال من تراكمات الماضي، وصراعات الطوائف، وتدخلات الخارج، وهذه أبرز تجليات الفشل الإيراني في تثبيت قبولها لدى مجتمع كان سلفا محسوبة عليها في كل حالاته وتقلباته.

تعكس إحصاءات الضحايا الذين سقطوا حتى اليوم حجم الإصرار الشعبي على تحقيق مطالبه في إسقاط النظام، وتعكس أيضا مقدار التمسك الذي يبديه النظام والجماعات المسلحة الموالية لإيران المختطفة له نحو استمراره، وهو التمسك الذي يفقد النظام تماسك أنصاره في مدن حواضنه الشعبية السابقة ومهد الثورة حاليا، ويدفعه بمعية القوات التي تسنده من الحرس الثوري الإيراني إلى استخدام العنف المفرط تجاه المحتجين، إذ أسفر هذا خلال الأيام القليلة الماضية عن مقتل أكثر من 150 متظاهرا، وإصابة عدد كبير تجاوز الـ 6000 حسب إحصاءات طبية.

الحكومة وفي سياق ما قالت إنها مساع للشروع في معالجات عاجلة، أطلقت مشاريع لمحاربة الفقر والفساد والبطالة وهي الثلاثية التي شكلت سببا في الاحتقان الشعبي الثائر، ومهدت لإجماع شبابي عانى كثيرا تحت وطأة هذه الاختلالات، غير أن أحداث الشارع تجاوزت مقترحات الحل التي أتت متأخرة بعد فوات أوانها، إضافة إلى أن الشعب بات يرى في النظام السياسي التابع لإيران سببا رئيسيا في المشكلة، وبالتالي لا يمكن له أن يكون عونا يأتي بالحل.

بنية النظام السياسي في العراق معقدة جدا في تركيبتها، وهشة في تأثيرها، إذ لا تملك تأثيرا فعليا أمام سطوة الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، والتي تشكل ملامح السياسة العراقية وترسم توجهاتها داخليا وخارجيا وفقا للمصالح الإيرانية وليس العراقية، وهذا ما يجعل الحل خارج يد السلطة. فرئيس الجمهورية ‫برهم صالح أقر في خطاب له أن الفقر والفساد والظلم هي سبب الاحتجاجات، لكنه لا يستطيع وضع الحلول أمام سطوة ميليشيات الحشد الشعبي التي وصف رئيسها التظاهرات الشعبية بأنها «مؤامرة صهيونية».‬

أدركت إيران أن الغضب الشعبي آخذ في الاستمرار، وتكبر دائرته يوما عن آخر، بحيث بات من الصعوبة محاصرة حجمه في نطاق محدود، وتجاوزه لمطالب تحسين الخدمات إلى إسقاط النظام، لذلك تريد أن تضع لها قدما مستقبلية في نتائج هذه الثورة، فأوعزت لبعض أدواتها المهمة في العراق كـ ‫«مقتدى الصدر» و»عمار الحكيم» أن تنحاز نوعا ما في مواقفها العلنية للمطالب الشعبية، بحيث تضمن إيران وجود صوت من مؤيديها داخل التيار الشعبي المحتشد في الشوارع، فتعمل على تقييده من الداخل، وربما محاولة إيقافه أو حرفه عن مساره إذا أمكن الأمر وحينما يلزم.‬

Mohamed_alslahi@