ثم انتهت الانتخابات الرئاسية التونسية بسلام، وهذا هو المتوقع لأن تونس ليست أنجح تجارب الربيع العربي، بل إنها التجربة الوحيدة التي نجحت، وأسباب النجاح الفريد للتوانسة كثيرة، لكني للأسف لا أعلم ما هي على وجه التحديد. وهذا جهل أظنكم لا تستغربونه من أمثالي.

والحقيقة أني لا أنكر سعادتي بأن التجربة التونسية تواصل مسيرتها بأقل قدر ممكن من الدماء، لأن الهدف المفترض لكل ما يفعله الناس ويدفعهم للخروج والاحتجاج والغضب هو البحث عن الاستقرار والحياة الكريمة، هذا هو هدف الإنسان في كل مكان على هذا الكوكب الذي يعج بالمتضجرين والمتضجرات.

ولست ضليعا بمعرفة الوجوه السياسية التونسية ولا أعرف الرئيس الفائز ولم يسبق أن سمعت عنه من قبل، فأنا لست تونسيا ـ كما تعلمون ـ ومع أني قد قرأت اسمه وكنت أعرفه قبل أن أشرع في كتابة المقال، لكني أحاول تذكره في هذه اللحظات وأعجز عن ذلك ولا أريد العودة لقوقل لمعرفة هذه الجزئية غير المهمة في التعريف بالرجل.

وعدم معرفتي أو نسياني لاسمه ليس أمرا يعيبه بالطبع ـ ولا يعيبني أنا أيضا ـ لكني أتذكر تصريحاته الشعبوية التي كان يرددها قبل الانتخابات، وأظن أنها كانت سببا في فوزه ووصوله إلى كرسي السلطة في الخضراء. والحق أيها الناس أن هذا الأمر أحبطني ـ ليس كثيرا، وسبب الإحباط أن التجربة التونسية كانت الأكثر نضجا وكان المأمول أن يكون الشعب هناك قد تجاوز مرحلة الخطب «التسليكية» التي تخاطب العواطف أكثر مما تخاطب العقول، والتي أثبتت التجارب مرة تلو أخرى أن الذين يستخدمون هذا الخطاب «الأممي» هم أكثر الناس فشلا في التاريخ العربي الحديث، وهم أكثر من أرهق شعوبهم داء الفساد والاستبداد والفقر والجوع والعوز والحاجة.

ومع إيماني التام بمحورية القضية الفلسطينية، وقناعاتي المطلقة بأن دولة الصهاينة كيان غاصب محتل مجرم وأنه سيزول يوما ما، إلا أني أعتقد أن المواطن العربي البسيط يفترض أنه يريد من المرشح العربي الذي سيتولى شؤون بلاده توفير الحرية والكرامة له داخل حدود وطنه، وأن تكون وعوده في هذا الإطار لأنها الأشياء التي يعلم أنها في يده وفي مقدوره فعلها.

والتونسيون بالطبع أحرار فيمن يختارون لكن حالة الترحيب والاحتفاء به في العالم العربي سببها خطابه الشعبوي، مع أن المحتفين به يعلمون يقينا أنه خطاب لا قيمة له وسيذهب أدراج الرياح كما ذهبت الكلمات التي قيلت من قبل عن الممانعة وطرد العدو الصهيوني وإغراقه في البحر. وهذا دليل على أن الشعوب العربية إجمالا لديها صعوبات في التعلم من التاريخ، وتكرر ذات الأخطاء وتقع في ذات الحفرة مرارا وتكرارا وتلدغ من ذات الجحر أكثر مما تتوقع الحية التي تسكنه. بناء بيتك أولى من هدم بيت عدوك، قاعدة سهلة ويسيرة يتجاهلها العرب شعوبا وحكاما. فلاهم هدموا هناك ولاهم بنوا هنا. يتناول العربي جرعته اليومية من «الكلام» ثم ينام راضيا مفترشا مأساته وملتحفا خط الفقر.

وعلى أي حال..

قد يكون الرئيس الذي لم أحفظ اسمه بعد رئيسا رائعا، وقد لا يكون، وأثبت التونسيون أنهم قادرون على الاختيار الحر، وهم من يتحمل وحدهم نتيجة اختياراتهم، لكن الاحتفاء به من قبل الشعوب العربية الأخرى بسبب خطاب سمعوه كثيرا وورطهم في البؤس عقودا عديدة وقبل أن يشاهدوا أداءه الفعلي مشكلة حقيقية. لا زلنا نحكم بآذاننا ونكذب أعيننا وواقعنا المتردي.

agrni@