أماني يماني - مكة المكرمة

عبر الاتحاد الأوروبي عن قلقه من توغل تركيا في شمال شرق سوريا، وأبدى مخاوفه من أن يساهم ذلك في عودة تنظيم داعش الإرهابي وتعريض أوروبا للخطر.

وقال تقرير لمركز الأبحاث البلجيكي Vocal Europe إن المفوضة العليا للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، أعربت بصوت عال وواضح عن مخاوف الاتحاد الأوروبي بشأن العملية العسكرية في شمال سوريا.

وتتركز المخاوف الأوروبية في 4 أمور رئيسة، تبدأ بتقويض التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش الإرهابي، والخوف من عودة الدواعش لتنفيذ أعمال متطرفة داخل العواصم الأوروبية، علاوة على القلق من نزوح المزيد من السوريين نحو دول أوروبا، والخوف من حدوث تغيير ديمغرافي في شمال سوريا.

تأثير أوروبي محدود

على الرغم من أن عددا من مسؤولي الاتحاد الأوروبي وكبار الدبلوماسيين من عدد من الدول الأعضاء الأكبر في الاتحاد الأوروبي، تشاركوا بالفعل مخاوفهم بشأن التوغل التركي في شمال سوريا، فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على أن يكون له تأثير مباشر وحاسم في كبح الحرب المستمرة في شمال سوريا محدودة للغاية. في هذا الصدد تقترح هذه الورقة إجراء طويل المدى وإجراءين على المدى القصير لكي ينفذهما الاتحاد الأوروبي.

فيما يتعلق بالإجراءات التي يمكن متابعتها على المدى المتوسط ​​والبعيد، يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى أن يتحمل مسؤولية أكثر فأكثر حول تحدياته الأمنية، خاصة في جواره المباشر حتى لا يعتمد على الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية الأخرى في مجال الأمن، وفقا لذلك، يؤكد الوضع الحالي مرة أخرى أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى مزيد من «الحكم الذاتي الاستراتيجي» في إجراءات سياسته الخارجية، هذا أولا، وقبل كل شيء التأكيد على أن القدرة على بناء العمليات العسكرية في الجوار الأوروبي يجب أن تعتمد بشكل أساسي، إن لم يكن تماما، على الأصول الأوروبية.

ومع ذلك فإنه من غير الواقعي، وقد يكون من المفيد عكس ذلك توقع الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، أو اتخاذ خطوات للحد من نطاق الاتحاد الجمركي مع تركيا. على الرغم من أنه يعتقد أن بعض هذه الأفكار قد نوقشت خلال الاجتماع الأخير لمجلس الاتحاد الأوروبي، فمن غير المرجح أن يقوم الاتحاد الأوروبي بتوظيف أي من التدابير المذكورة.

ورقة اللاجئين

أثبتت العملية العسكرية الحالية التي تقودها تركيا في شمال شرق سوريا مرة أخرى أن الاتحاد الأوروبي ليس منقسما فقط حول كيفية الاستجابة لتفضيلات السياسة الخارجية التركية التي تضر بتفضيل الاتحاد، ولكنه يتردد أيضا في توظيف إجراءات حاسمة ضد إدارة إردوغان، في المقام الأول بسبب مخاوفه بشأن قضية الهجرة لاعتماد الاتحاد الأوروبي على تركيا لإبقاء اللاجئين السوريين بعيدا عن أوروبا، وشهية الرئيس إردوغان لاستخدام تبعية الاتحاد الأوروبي كعامل ضغط.

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي سيظل رهينة لبعض الوقت لإجراءات السياسة الخارجية لإدارة إردوغان. إذا كان الاتحاد الأوروبي يرغب في تغيير اعتماده على إدارة إردوغان للحد من تدفق الهجرة إلى أوروبا، فإنه يحتاج إلى مراجعة ارتباطه مع تركيا بشأن صفقة المهاجرين.

تورط إردوغان

في الواقع، ليست هذه هي المرة الأولى التي يتورط فيها الرئيس إردوغان في مثل هذه النزاعات الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه، فقد سبق أن اتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل باستخدام «التدابير النازية» عندما منعت ألمانيا عددا من الوزراء الأتراك من تنظيم حملاتهم الانتخابية هناك بمناسبة استفتاء عام 2017. وبالمثل، منع الرئيس إردوغان السفير الهولندي من العودة إلى البلاد بعد أن سنت هولندا تدابير مماثلة في العام نفسه. شريطة أن الأوروبيين لم يتخذوا إجراءات حاسمة ضد الرئيس إردوغان في ذلك الوقت، يمكن للمرء أن يجادل بأن الرئيس التركي ينظر إليها على أنها علامة قوية على عدم وجود نفوذ من الاتحاد الأوروبي على تركيا.

ومع ذلك فإن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مناقضة للعلاقة بين روسيا وتركيا، فبعد أن أسقطت تركيا طائرة روسية تحلق على الحدود السورية في 2015، كان على الرئيس إردوغان أن يعتذر رسميا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب العقوبات الشديدة التي فرضتها روسيا على أنقرة.

ومع ذلك، فإن إحدى الأدوات التي تفضل عواصم الاتحاد الأوروبي استخدامها ضد إدارة إردوغان هي فرض حظر أكبر على تصدير الأسلحة إلى تركيا. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى توخي الحذر الشديد في حظر تصدير الأسلحة إلى تركيا، لأن هذه الخطوات قد تؤدي إلى زيادة اعتماد تركيا على الأسلحة الروسية.

تفكك تحالف داعش

ساهم التحالف الدولي للقضاء على داعش المشكل في 7 في سبتمبر 2014، والمكون من 81 دولة في التصدي للتنظيم الإرهابي الخطر على جميع الجبهات، وتفكيك شبكاته ومواجهة طموحاته العالمية، بالإضافة إلى الحملة العسكرية في العراق وسوريا. ووفق الائتلاف أيضا في معالجة التمويل والبنية التحتية الاقتصادية لداعش، ومنع تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب عبر الحدود، ودعم الاستقرار واستعادة الخدمات العامة الأساسية إلى المناطق المحررة من داعش؛ ومواجهة دعاية المجموعة.

ويعد الأكراد أهم الشركاء في الحرب على داعش، حيث تكبدوا حوالي 11000 ضحية في القتال ضد داعش، ويشعر الاتحاد الأوروبي وعدد من الأمريكيين بالقلق من أن القرار السياسي المفاجئ للتخلي عن الأكراد من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يهدد بالتراجع عن القتال الذي دام خمس سنوات.

عودة الدواعش

صحيح أن الولايات المتحدة لعبت دورا أساسيا في تفكيك داعش وإلغاء مكاسبه الإقليمية، ومع ذلك، منذ عام 2014، مع بدء العمل العسكري ضد داعش نجحت قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف من الجنود الأكراد والعرب تدعمه القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية والفرنسية، في هزيمة داعش وتحرير سوريا الشرقية.

وأكملت قوات الدفاع الذاتي المهمة الحاسمة المتمثلة في التطهير والاستيلاء على الأراضي التي احتلتها قوات داعش. وبخلاف كونها القوة الرائدة في هذه الحرب، لعبت القوات الكردية في السنوات الأخيرة دورا مهما بشكل خاص من خلال حبس الآلاف من مقاتلي داعش.

وواحدة من نقاط الربط لأوروبا في هذا الصدد هي أن الآلاف من مقاتلي داعش الذين تم أسرهم خلال معارك كبرى ضد الجماعة الإرهابية تحتجزهم قوات الدفاع الذاتي. ونظرا لأن عددا من الأكراد السوريين يقاتلون القوات التركية في شرق الفرات، فإن الآلاف من الإرهابيين وعددا من المنشآت التي تحتوي على أفراد من داعش النازحين والناجين منهم يمكن أن يتركوا دون سيطرة. ويشعر الاتحاد الأوروبي بالقلق من أن هذا قد يشكل خطرا، لأن داعش قد تكون لديه فرصة لإعادة تأسيس نفسه.

الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لأوروبا هو أنه إذا كان هذا هو الحال فقد يكون المئات من مقاتلي داعش على الأقل، أو بعبارة أخرى، المقاتلون الأجانب الذين تم القبض عليهم من قبل القوات الكردية، عرضة للعودة إلى أوروبا، إذا لم تعد قوات الدفاع الذاتي تحكم الإقليم.

نزوح السوريين

وتشير التقديرات إلى أن هناك نحو 1.7 مليون شخص يعيشون في شمال سوريا. ومنذ أن بدأت الحرب الداخلية قبل ثماني سنوات كانت سوريا مركزا لواحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدا في العالم حيث تشرد ملايين الأشخاص داخل وخارج حدودها.

ويهدد التوغل التركي بإضافة بعد جديد مخيف إلى ذلك. ووفقا لذلك ذكرت وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أنه منذ بداية العمليات العسكرية التركية في شمال شرق سوريا فر عشرات الآلاف من المدنيين من المنطقة.

بتعبير أدق، حذرت الأمم المتحدة مرارا وتكرارا من أن أي عملية عسكرية يمكن أن تعرض حياة 1.7 مليون شخص في المنطقة للخطر بشكل خطير، خاصة أن 700 ألف منهم يعتمدون بالفعل على المساعدات. والأهم من ذلك أن عددا من منظمات حقوق الإنسان الموثوقة تدعي أن القتال قد يؤدي إلى نزوح ما يصل إلى 300 ألف شخص، مما يؤدي إلى كارثة إنسانية.

التغيير الديمغرافي

أثبت الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أنه عازم على تسوية ما يصل إلى مليوني لاجئ سوري في المنطقة الآمنة المعلنة في شمال شرق سوريا، والتي تعتبر الأساس المنطقي المعلن وراء العملية العسكرية التركية. بالتزامن مع ذلك، يدعي عدد من المحللين أن الهدف الحقيقي له هو التوسع العثماني، و»تغيير التركيبة السكانية وتقليص وجود الأكراد بتدفق كبير من العرب».

ووصف الاتحاد الأوروبي أطماع إردوغان بأنها محاولة واضحة للهندسة الاجتماعية، والتي قد تؤدي إلى مزيد من التوترات والصراعات في شمال سوريا، ليس فقط على المدى القصير، ولكن أيضا في المدى المتوسط ​​والطويل، ولهذا السبب أكدت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أن الاتحاد الأوروبي يعارض تماما أي محاولة لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة من خلال إنشاء «منطقة آمنة».

نفوذ أوروبا الضعيف

أثبتت العملية العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، مرة أخرى، أن الاتحاد الأوروبي ليس لديه أي نفوذ على تركيا فيما يتعلق بتفضيلات سياستها الخارجية في سوريا، مما قد يؤدي إلى مزيد من النزوح للسكان المحليين، واستضافة أكثر من 3.6 ملايين لاجئ سوري في تركيا، والتي وافقت عليها إدارة إردوغان والاتحاد الأوروبي من خلال اتفاقية الهجرة التي تم توقيعها في 2016 لمنع المهاجرين من الذهاب إلى أوروبا، في مقابل 6 مليارات يورو والسفر بدون تأشيرة للمواطنين الأتراك، يمنح الرئيس إردوغان اليد العليا لتهديد الاتحاد الأوروبي بتدفقات الهجرة إلى أوروبا.

وفقا لذلك، بمجرد أن بدأت الحكومات الوطنية في الاتحاد الأوروبي وممثلو الاتحاد الأوروبي في الإشارة إلى العملية العسكرية التركية باعتبارها «غزوا» ودعوا تركيا إلى وقف التوغل العسكري، قام الرئيس التركي بإعادة النظر في بطاقة المهاجرين مرة أخرى وهدد الاتحاد الأوروبي بملايين السوريين اللاجئين.