يبدو أني لم أخبركم من قبل أني أحب الأسلحة وأجيد استخدامها، ربما لم تأت مناسبة وربما لأني أخاف أن أكشف معلومة مثل هذه عني. ولذلك أرجو أن يبقى الأمر سرا بيننا.

والحقيقة أني رغم هذا الشغف لم أجرب استخدام أي سلاح سوى «الساكتون» أو البندقة الهوائية في لغة أقوام آخرين، وقد اقتنيتها وأنا صغير رغبة في صيد الطيور المهاجرة، ولكن للأسف لم تكن قريتنا طريقا لتلك الطيور التي نفذت بريشها من مجزرة كانت في انتظارها. ولذلك تفرغت في تلك المرحلة من عمري لصيد المصابيح الكهربائية في المنازل التي تقع في مرمى نيراني. كان لي شركاء في هذه الهواية وعملنا بجدية إلى درجة أن قريتنا لم يكن من السهل مشاهدتها ليلا. لأنها كانت تسبح في بحر الظلمات منذ مغيب الشمس.

مضت سنوات طويلة على هذا الأمر، ولا أعلم هل لا زلت ماهرا في استخدام ذلك السلاح الفتاك أم إن الأيام أفقدتني مهارتي، اشتريت واحدة جديدة قبل سنوات قليلة وحاولت تجربتها، وجدت عصفورا بريئا يقف كأنه ينتظر أحدا ما على غصن شجرة، وأطلقت عليه رصاصاتي ولكنه لم يتحرك من مكانه ولم يفكر حتى في الالتفات جهتي، وهذا التجاهل سببه أحد أمرين، إما أنه يحتقرني لدرجة أنه يعلم يقينا أنني لن أصيبه مهما حاولت، أو أنه يائس من الحياة ينتظر الخلاص وكان يتأمل أن يكون ذلك على يدي وهذا ما لم يحدث للأسف.

ربما غلبتني العاطفة قليلا ورحمت العصفور المسكين، وتوهمت أني لم أصبه لقلة مهارتي، بينما كنت أتعمد ذلك من حيث لا أعلم.

هذه الأيام لدي رغبة في السفر إلى سوريا لتجربة أسلحتي ـ كما يفعل كل العالم ـ لا أعتقد أني سأمر بنفس الموقف الذي حدث مع ذلك الطير، فالعالم المتحضر ـ مثلي ـ لا يعتبر الإنسان في تلك البقعة من العالم كائنا يستحق الشفقة، وعددهم كثير وموتهم لا يستفز أحدا.

الأمر الذي جعلني أتردد قليلا هو أني لا أحب الزحمة، وطوابير الانتظار لتجربة السلاح وصيد السوريين طويلة جدا، والأمر لا زال فوضويا، فمع أن بشار الأسد قد اجتهد كثيرا في أن يجعل وطنه وأهله وشعبه قبلة لكل صيادي ومرتزقة العالم، وكل من أراد أن يجرب أسلحته أو جيشه أو حتى «ساكتونه»، إلا أن هذا الاجتهاد كان ينقصه قليل من التنظيم والترتيب. والكمال لله وحده، فرغم أنه ماهر في البيع إلا أن المهارة تنقصه في تنظيم الفعاليات.

وعلى أي حال..

ومن باب الإنصاف فإن مسؤولية الفوضى في سوريا لا تقع على عاتق بشار وحده، هناك جهات كان يفترض أن تمد له يد العون، الأمم المتحدة مثلا كان يفترض أن تحدد مواسم لصيد السوريين، وألا تدع المجال مفتوحا طوال أيام العام، فقد ينقرض السوريون ولا يجد العالم مكانا ملائما لتجريب أدوات القتل. أما الجامعة العربية فمشغولة بنفسها وأظن أن نجاحها الوحيد الذي حافظت عليه حتى اليوم هو أنه لم يقتل أحد حتى اليوم في قاعات اجتماعاتها، وهذا إنجاز تشكر عليه يضاف إلى إنجازها الأهم وهو أنها لا زالت موجودة.

agrni@