وكنت قد تحدثت مرارا عن أحلامي الصغيرة التي مات بعضها، وهاجر بعضها وبقي منها أحلام لا تصغر ولا تكبر ولا تموت. وهي في هذا تشبه أمنية شاعر اللعب الجنوبي ـ الشهري ـ الذي قال «يا ليتني لا اصغر ولا اكبر ولا اموت، ولا يبان الشيب في عارضيّه»، وبالطبع فإنه لا وجود للهمزات في الكلمات السابقة لضرورة لا يعلمها إلا الله.

والحقيقة أن هذه الأمنية تبدو غبية ـ وهي كذلك بالفعل ـ فلا معنى لحياتك حين تتوقف عن كل شيء كصخرة صماء. وأنا هنا لا أعتب على الشاعر، فأغلب شعر الفنون الجنوبية لا يقال من أجل الشعر، ولا يقاس بموازين الشعر لأنه في غالبه مجرد كلام يقال لتلبية الرغبة في الغناء التي تسيطر على الجنوبي في كل أحواله.

وهذا ربما يفسر السبب الذي جعل ضمن أحلام طفولتي أن أصبح مطربا، وكان يسرح بي الخيال وأتخيل أني حين أغني ستتوقف الحياة ويتسمر الناس في أماكنهم وتنهمر الدموع من أعينهم حين يفشلون في تجاهل عذوبة صوتي ورقة أدائي.

ومما عزز هذا الانطباع لدي أنني كنت مغرما بالقراءة ـ قبل أن أتوب لاحقا ـ وكنت حين أقرأ دواوين الشعر أغني القصائد، وأبتكر لها ألحانا أو أقرأها على ألحان موجودة بالفعل. كنت مثلا أقرأ قصائد المتنبي وأبي تمام وجرير والفرزدق وقصائد شعراء المعلقات بلحن العرضة واللعب والخطوة.

واستمر الأمر طويلا وكانت أحلامي تكبر معي، وفي كل مرة أغني فيها قصيدة أتخيل كيف سيتحدث العالم عن موهبتي وكيف سينسى الناس كبار المغنين والمغنيات، واخترعت أعذارا وكلمات مواساة سأقولها لهم حين ألتقيهم وأشاهد نظرة الحقد في أعينهم، كنت سأقسم لهم أني لم أخطط لإفساد سوقهم وكراهية الناس لأصواتهم.

في أحد الأيام قررت أن أستمع إلى نفسي، لأن مشكلة كثير من المغنين أنهم لا يسمعون أنفسهم، أحضرت جهاز تسجيل وسجلت إحدى الأغنيات التي كنت أغنيها كثيرا وأخطط أن تكون هي مفتاح دخولي إلى قلوب الجماهير العريضة.

لكن ما حدث بعد سماعي لصوتي كان صدمة غيرت مسار أحلامي وحياتي بأكملها، كان شيئا مزعجا ومؤذيا ولا يمكن احتماله. كانت المرة الأولى والأخيرة التي أسمع فيها صوتي وأنا أغني.

وعلى أي حال..

بعيدا عن أحلامي المؤذية، فإن هذا لا يحدث فقط مع أصواتنا التي لا نسمعها كما يسمعها الآخرون، إنه يحدث تقريبا مع كل شيء. قراراتنا، خططنا، أفكارنا، نظن أنها في غاية الكمال، بينما في حقيقة الأمر أن الآخرين ينظرون إليها بذات الطريقة التي سمعت فيها صوتي وأنا أغني. وهذه ليست مشكلة كبيرة للناس العاديين أمثالي، لأننا في الغالب لدينا أصدقاء وقحون لا مشكلة لديهم في إخبارنا بالحقيقة، لكنها مشكلة للذين لا يستطيع أحد أن يخبرهم كيف تبدو أصواتهم وهم يغنون، ولا يستمعون هم بأنفسهم إلى أصواتهم وهم يغنون، يقررون، يفكرون، يخططون.

agrni@