كنت في صغري متفائلا، لا أتصور مطلقا أن للنهايات السيئة وجودا في الحياة، ولكن مثل كل الناس، بعد أن نكبر قليلا نبدأ في التعرف على نوع جديد من الخوف لم نكن نعلم بوجوده، ونحن صغار كان يخيفنا الظلام والكائنات التي لا نألفها، وخوفنا من المستقبل لا يتعلق سوى بالقلق من اكتشاف أهلنا لجرائمنا الصغيرة.

لكن سنوات إضافية في العمر لا تلتهم الأيام فحسب، بل إنها تقضم أيضا وبنهم شديد مساحات من تفاؤلنا الذي يصغر حجمه. ويصبح المستقبل أكثر الأشياء رعبا، ونبدأ في تعلم تكتيكات المقاومة، نقاومه بشيء من الإيمان ـ إن وجد ـ وأن ما سيحدث سيحدث، وأن تفاؤلنا وتشاؤمنا لا يغيران من أمر المستقبل شيئا، فالتشاؤم لا يغير المستقبل، ولكنه يفسد الحاضر.

في مرحلة ما من العمر يصبح الإنسان مهووسا بمعرفة الحقيقة، يبحث عنها في كل شيء ويهتم بحقائق الأشياء أكثر من اهتمامه بالأشياء نفسها. ثم يبدأ تدريجيا في التعافي من هذا الهوس حتى يصل إلى مرحلة تصبح فيها الحقائق والأوهام في منزلة سواء. ويصبح مهتما بالأشياء أكثر من اهتمامه بحقيقتها. وأكثر من يتعافون من هوس معرفة الحقيقة هم الذين يكتشفون بأنفسهم أنها متعبة ومؤذية وسافرة لا تهتم لأمر أحد. وحين يعرفون حقيقة الحقيقة يبدؤون أولا في تمرير الأكاذيب التي يعلمون يقينا أنها كذلك، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى التصديق الكامل والتام لأي أمر مريح وتكذيب ما عداه. وهذا تكتيك آخر جيد لمقاومة الخوف من المستقبل. صدق ما ترتاح لسماعه وكذب كل ما يؤذيك، ولتذهب الحقيقة للجحيم. وكثيرون يسمون هذا الوضع تفاؤلا، من باب تلطيف المسميات، وهذا أمر أسعدني لأني بدأت أقتنع بالفعل أني متفائل وأن شيئا من طفولتي قد عاد لي بعد أن ظننت كل الظن ألا تلاقيا.

وعلى أي حال..

أطمئن المتشائمين بأن الغد أفضل حسبما أثبتت الدراسات الحديثة والموثوقة، ففي البحث الذي نشر في مجلة «نيتشر» قال العلماء بأن مجرة عملاقة تدعى مجرة «أندروميدا» وهي الأقرب من مجرتنا ـ مجرة درب التبانة ـ تقترب أكثر وبشكل متسارع، وأن المجرتين ستندمجان لتصبحا مجرة واحدة، ومن المحتمل أن تختفي شمسنا ونكتفي بشمس أخرى توفرها المجرة الجديدة، وأتوقع أن هذا الاندماج سيكون حلا رائعا ومثاليا لكافة المشاكل التي تعاني منها البشرية. وحسب العلماء فإن هذا الأمر قد يستغرق فقط أربعة مليارات سنة حتى يحدث، والتأخر ليس مشكلة، فأن تأتي تلك المجرة متأخرة خير من ألا تأتي.

agrni@