أماني يماني - مكة المكرمة

على الرغم من أن ميليشيات الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران في اليمن، أعلنت مسؤوليتها عن الاعتداءات الغاشمة على معملي النفط في بقيق وخريص التابعين لشركة أرامكو السعودية، إلا أن الضربة المتطورة التي تجمع صواريخ كروز وطائرات إيرانية الصنع لا يمكن أن تتم إلا تحت رعاية الحرس الثوري الإيراني، وأكدت التحقيقات احتمالية أنه جاء من إيران نفسها أو العراق.

ويمثل النطاق غير المسبوق للهجمة الإرهابية التي تعد اعتداء على أهم مصادر النفط في العالم تصعيدا إجراميا، يبدو أنه يمثل تحديا للولايات المتحدة للرد أو المخاطرة بفقدان مركزها كمزود للأمن في المنطقة، وذلك بحسب تقرير من مجلة فورين بوليسي الأمريكية.

لماذا العراق؟

ويبدو السؤال المطروح: لماذا ذهب الاحتمال إلى أن تكون الضربة من داخل الأراضي العراقية؟

تعطي فورين بوليسي تفسيرا مهما، وتقول إن إيران تستعرض قوتها على العراق وتتوغل داخله، كإحدى الوسائل المهمة لتأكيد قوتها في المنطقة وقدرتها على السيطرة، علاوة على أن إيران ليس لها ممر بري إلى البحر المتوسط ​​ولا إلى الحدود السعودية، ولكن منذ 19 يوليو، استهدفت خمس غارات جوية كبيرة على الأقل ذخائر الميليشيات الشيعية التي تخزن الصواريخ الإيرانية.

وعلى الرغم من عدم إعلان أي شخص مسؤوليته عن العمليات، إلا أن الشكوك تقع على عاتق الولايات المتحدة، وبغض النظر عن المصدر، اتخذت الهجمات صفحة من كتاب اللعب الإيراني لإحباط محاولة طهران للهيمنة على الشرق الأوسط، ويبدو أن الولايات المتحدة أو شركاءها يلعبون دورا ذكيا في حرب طويلة يمكن أن تفوز بها من خلال الاستمرار في ترك إيران تخسر.

أثر العقوبات

الحرب الطويلة تتجاوز الغارات الجوية الغامضة، كل يوم تسري فيه العقوبات تعمق الولايات المتحدة حرب الاستنزاف دون إطلاق رصاصة واحدة. وبعد أن سحب الرئيس دونالد ترمب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في العام الماضي، بدأت واشنطن فرض عقوبات جزئية لمدة ستة أشهر على قطاع الطاقة الإيراني في نوفمبر 2018.

وشهد هؤلاء خسارة طهران لعائدات هائلة بلغت 10 مليارات دولار. وتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6 % عام 2019.

وفي 2 مايو من هذا العام، افتتحت إدارة ترمب سياستها القصوى للضغط، والتي بموجبها انخفضت صادرات النفط الإيرانية من ذروة بلغت 2.8 مليون برميل يوميا في العام السابق إلى 200 ألف، وبالنظر إلى العقوبات اللاحقة على صناعات البتروكيماويات والمعادن الإيرانية، فقد تحول اقتصاد البلاد من توترات إلى توترات.

طاولة المفاوضات

في كل هذا، تتضمن السياسة الأمريكية المعلنة إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات لتصحيح العيوب التي تتصورها واشنطن في الصفقة النووية. وأبرز ما في الأمر أن الولايات المتحدة تعترض على أن الاتفاق لا يعوق قدرة إيران على تطوير صواريخ باليستية قادرة على صنع الأسلحة النووية أو رعايتها للميليشيات الشيعية في الدول العربية ذات السيادة.

وإلى أن تعود طهران إلى طاولة المفاوضات، ستواصل واشنطن مع حلفائها وشركائها شكلها الخاص من أشكال الحرب الهجينة بمحاولة إضعاف القدرات الإيرانية، من خلال مزيج من الضغوط المالية والإضرابات المستهدفة، والتي غالبا لا يمكن عزوها لرد مكاسب إيران على هذه الجبهات.

مصدر قلق الحلفاء

يعد برنامج الصواريخ الإيراني مصدر قلق مشترك للحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، الذين ما زالوا موقعين على الاتفاق النووي.

تعد فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إيران منتهكة لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2331، الذي ينص على اتفاق إيران في القانون الدولي، ويدعو إيران إلى الامتناع لمدة ثماني سنوات عن تطوير صواريخ باليستية قادرة على إيصال أسلحة نووية. إن هذا الاختلاف بين طهران وأوروبا قد زود الأخيرة بمبرر لاستمرارها في فرض عقوبات، وبالتالي هو دعم ضمني لحرب الاستنزاف الأمريكية.

تهديد إيران

وفي الوقت نفسه، يهدد وكلاء الشر التابعون لإيران أمن شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودول الجوار، بعدما استطاعت طهران تشكيل مجال نفوذ هائل من خلال استخدام قوات شبه عسكرية بالوكالة في العراق وسوريا، وحزب الله في لبنان وسوريا، وميليشيات الحوثي الإرهابية في اليمن.

واستمرت الهجمات على قواعد رئيسية تابعة للحرس الثوري الإيراني والميليشيات العميلة، بما في ذلك في محافظة الأنبار الغربية في العراق ومدينة البوكمال في سوريا مقابل معبر القائم الحدودي في العراق، وانضمت دول المنطقة إلى قوة حماية التجارة البحرية التي تقودها الولايات المتحدة، حتى الكويت الأكثر تحفظا وحيادية تفكر في ذلك، علاوة على كل القوى التي تم تجميعها ضدها، فإن استراتيجية إيران غير مستدامة من الناحية المالية.

تخفيض الإنفاق العسكري

بحسب المبعوث الأمريكي الخاص لإيران بريان هوك، فإن العقوبات أجبرت إيران على خفض الإنفاق العسكري بنسبة 29 % هذا العام، وكان لهذا تأثير على حزب الله، حيث قلت نسبة الأموال المحولة، وكانت التحويلات النقدية السنوية 700 مليون دولار من إيران إلى الميليشيات، مما أجبر المنظمة على تبني برنامج تقشف.

وليس من المستغرب أن تبذل إيران قصارى جهدها لتقويض سياسة الضغط الأمريكية القصوى. ففي 12 مايو، خربت البحرية الإيرانية أربع سفن في ميناء الفجيرة الإماراتي. وبعد أيام تعرضت محطات الضخ التي تغذي خط أنابيب البترول السعودي إلى الهجوم. وعلى الرغم من أن قوات الحوثيين زعمت أنها نفذت هذا الهجوم، إلا أن الأدلة تشير إلى أن هجوم خط الأنابيب جاءت أيضا من العراق.

رسالة خبيثة

حاولت إيران أن تبعث رسالة خبيثة للمجتمع الدولي مفادها «إذا منعت من بيع النفط، فسأمنع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي من بيع النفط أيضا»، ربما أثارت الإضرابات توترات، لكنها لم تعرقل بشكل كبير نقل النفط.

لا تحتاج واشنطن إلى التشابك في فخ إيران، قدمت طهران لواشنطن سببا يدعو إلى حشد قوة دولية لحماية التجارة البحرية في الخليج العربي، وربما حتى بتفويض من الأمم المتحدة يسمح لبلدان مترددة حتى الآن مثل ألمانيا بالمشاركة. إذن عندما تقرر الولايات المتحدة ضرب منشأة نفطية أو عسكرية إيرانية، يجب أن يكون الهجوم غير قابل للمساهمة، وأن يبقى تحت عتبة الانتقام الإيراني المبرر. مع ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تعود إلى العمل الرابح من خلال ترك إيران تخسر حرب الاستنزاف.