في الأفلام العربية ـ الرديئة غالبا ـ يظهر رجل بلباس محترم لا يحتك إلا مع عِلية القوم، وغالبا يكون عضوا في البرلمان أو مجلس الشعب أو أيا كان اسمه، يجري الكثير من اللقاءات الإعلامية ويتبرع للفقراء والمساكين. لكننا نكتشف في نهاية الفيلم أنه زعيم العصابة التي تقتل وتسرق وتروع الآمنين وتبيع المخدرات. وغالبا فإن زعيم العصابة أو المعلم الكبير لا يعرفه حتى الذين يعملون لصالحه ويذهبون للسجن نيابة عنه ويرتكبون كل الموبقات من أجله.

يبدو هذا التشابه كبيرا مع استراتيجية إيران في العالم، وليس في المنطقة فحسب، جواد ظريف وروحاني يبتسمان للكاميرات ويشاركان في اللقاءات والمؤتمرات ويفرش لهما السجاد الأحمر أينما ذهبا، وخامنئي يعيش دور الزاهد في الدنيا الذي لا يلتفت لمباهجها ومغرياتها، تنظر إلى وجهه فتظن أنه سيموت من كثرة الخوف والورع والتقوى.

الفارق البسيط بين الوضع الإيراني ووضع زعماء العصابات في أفلام المقاولات هو أن جميع المشاهدين يعرفون أن خامنئي وروحاني وظريف هم زعماء العصابة دون أن ينتظروا نهاية الفيلم، هذه الحقيقة تبدو واضحة من المشهد الأول.

وجه التشابه هو أن الجرائم ترتكبها الأدوات والممثلون الثانويون «الكومبارس»، وزعيم العصابة يتفرغ لتوزيع الابتسامات والبكاء من كثرة التقوى والورع.

والكلاب التابعة مثل حسن نصر الله أو الحوثي أو زعماء مرتزقة الحشد الشعبي يبدو ولاؤهم منطقيا، لأن الكلاب مع كثرة التدريب تصبح حريصة على صاحبها أكثر من حرصه على نفسه، وتنبح حتى على أهل بيته إن هم اقتربوا منه. لكني لا زلت لا أفهم ـ حتى الآن ـ كيف يفكر أتباع التابعين، الذين يدينون بالولاء للكلب وليس لصاحبه.

الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء والبصيرة حتى يفهم الإنسان كيف أصبحت الدول التي سيطر عليها الأتباع وأتباعهم؛ العراق واليمن وسوريا ولبنان أمثلة حية ومشاهدة يمكن استخدام أي منها دون تحفظ لتعريف مصطلح «الدولة الفاشلة». وليست مصادفة أن كل هذه الدول هي الدول التي تسيطر إيران على مفاصل القرار فيها.

الغريب أن هذه أمور واضحة وبدهية لكن العالم «يطنش» كل هذا حين يضع معاييره للجماعات «الإرهابية»، ويبدو أن هنالك شرطا غير معلن لا بد من توفره لتصنيف فئة أو جماعة على أنها إرهابية، وهذا الشرط لا يتوفر في الميليشيات الإيرانية.

وإذا لم يكن قتل الناس وقتل أحلام من تبقى منهم وتهجيرهم وتشريدهم إرهابا، فإن المعاجم تحتاج إلى أن تعيد تعريف الإرهاب من جديد.

يعلم الإيرانيون ويعلم العالم وتعلم كل الكائنات التي أوتيت الحد الأدنى من التفكير أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي تستهدف السعودية لم تكن لتتحرك من مكانها لو أن إيران لم ترد ذلك، لكن لا أحد يريد أن يتعامل مع هذه الحقيقة بشكل جدي.

حتى أوروبا وأمريكا نفسها التي تغني أغنية الإرهاب بمناسبة وبدون مناسبة يبدو أن هذا النوع من الإرهاب لا يقلقها كثيرا، وتبدو كمن لا يريد له أن ينتهي، وفي أحسن أحوال حسن الظن فإنهم يتعاملون معه بمبدأ «لم آمر بها ولم تسؤني».

وعلى أي حال..

ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها السعودية، ولن تكون الأخيرة، فهذا قدرها، ولكنها في كل مرة تخرج أقوى وأعز وأكرم، وهذا قدرها أيضا، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

agrni@