لو وجدنا شخصا يمجد ويمدح والديه هل نقول عنه إنه مُطَبِل؟! لو وجدنا شخصا يتبرأ من والده الفقير أو القاسي هل سنقول عنه إنه شخص سوي؟! بالطبع لا، لأن الشخص السوي سيفتخر ويعتز بوالديه مهما كان وضعهما وسيبقى معهما ويدافع عنهما مهما قدما أو لم يقدما له. وكذلك صاحب العقلية الوطنية يدرك تماما أن الوطن هو جزء منه والمحبة والانتماء له ليسا بعلاقة طردية! عندما نُسأل عن هويتنا سوف نُسأل عن الاسم وتاريخ الميلاد والجنسية! إذن الوطن هو نحن وهو جزء أساسي من هويتنا، وكما تقبلنا هويتنا الشخصية كما هي وأوقفنا الجميع عند حدهم إذا تجرأ عليها أحد، كذلك يجب أن نفعل مع هويتنا الوطنية!

مفهوم الشعور بالانتماء Affiliation of Feeling بدأ الاهتمام به عبر نظريات علم النفس مثل نظرية موراي وايرك فروم وماسلو وغيرهما، حيث ركزت نظرية إيريك فروم للحاجات حول خمس حاجات أساسية لحياة الفرد، وهي: الحاجة للانتماء، والحاجة للسمو، والحاجة للجذور، والحاجة للتوجيه، والحاجة للهوية، وكلها حاجات ضرورية تظهر مدى الحاجة للانتساب إلى جماعة ووطن للوصول إلى الصحة النفسية.

هذه المقدمة بمناسبة ذكرى يومنا الوطني رقم 89 الذي يوافق مقالي رقم 89 عبر صحيفة مكة، والذي يهدف إلى تعزيز حب الوطن بالعقل وليس بالقلب فقط، وهذه المحبة العقلية وضعتها في خماسية أتمنى أن أراها لدى كل مواطن عاقل.

1. حب لا مشروط للوطن:

كما وصلت إلى حب لا مشروط لذاتك ولوالديك، يجب أن تكمل دائرة هويتك وتحب وطنك بلا شروط، وبدون استخدام آلة حاسبة، فالوطن هو أنت وبقاؤك من بقائه وعزك من عزه، ومهما التصقت بأوطان أخرى ستظل غريبا وأي اصطفاف مع أوطان أخرى ضد وطنك هو خيانة لذاتك وهويتك.

2. تمثيل راق للوطن:

المواطن الراشد هو الذي يدرك أن كل تحركاته بالخارج وأمام الغريب هي تمثيل لوطنه، لذا هو يمثل وطنه بأجمل صورة ولا يتواجد إلا في أجمل الأماكن، ولا يتحدث إلا بأجمل الكلام، ولا يقوم إلا بأجمل السلوكيات، ويطبق أجمل القيم، بل يتجرد من الذاتية عندما يسأله أحدهم ما هو مصدر هذا الجمال فيقول وطني، عكس الأناني الذي ينسب كل ما هو جميل لذاته ويرمي كل قبيح يقوم به إلى وطنه وعاداته.

3. الدفاع بحقائق عن الوطن:

امتداد لتمثيل الوطن برقي كذلك الدفاع عنه برقي وحقائق وأرقام ووثائق، لأنها الطريقة الأسرع والأدوم لإخراس المشككين، وإنهاء الجدل وعكس صورة حضارية لأبناء هذا الوطن الذين لا ينزلقون إلى لغة الشوارع مهما اجتمع عليهم عيال الشوارع.

4. تحويل مكتسباتنا لمبادرات وطنية:

المواطن الفعال المحب لوطنه بعقله هو المواطن الذي يحول مكتسباته الشخصية إلى مبادرات وطنية لأنه يدرك أنها منه وله، فكل ما يملك من وقت وعلم ومال وعلاقات يسخرها لخدمة هذا الوطن لأنه يدرك أنه رد للدين، وفي الوقت نفسه هو المستفيد وعائلته الكبيرة في هذا الوطن الذي هو منهم ولهم.

5. لا تقصي مواطنا: المواطن العاقل هو الذي يوسع دائرة التقبل لتشمل جميع المواطنين باختلاف أشكالهم وألوانهم وطوائفهم وتوجهاتهم، ويعمل على احتواء الجميع ويسهم في جذب المتطرف والشاذ بدلا من إقصائه وتخوينه والتنمر عليه، ويسهم في قطع هذا الجزء من جسد الوطن الكبير الذي كان قادرا على احتواء العضو العاصي قبل أن يتحول إلى عضو فاسد في جسد آخر حاقد.

S_Meemar@