يأتي طلابنا إلى الجامعات والكليات المتخصصة بعد أن قضوا في الغالب 12 عاما في مدارس التعليم العام وبوصول (بعضهم) من ذوي مستويات الأداء المتواضعة للمرحلة الجامعية يندلع ما يشبه الحروب الناعمة بين أساتذة الجامعات ومعلمي التعليم العام من جهة، وبين أساتذة الجامعات وسوق العمل الحكومي أو الخاص من جهة أخرى، حول تدني مستوى أداء بعض الخريجين من الجامعة ومن المسؤول الحقيقي عن هذه المحصلة.

ولأن تبادل التهم حول أمر محوري مثل مستوى الخريج غاية في الأهمية، فإن الحديث بمنطقية مهم جدا، ولعل من المقبول الذي نتفق جميعا عليه أن التعليم العام عبارة عن متطلب سابق إجباري للتعليم ما بعد العام أي الجامعي والكليات المتخصصة، وهذا يعني أن التعليم إلى المرحلة الثانوية مطلوب منه تهيئة الطالب ليكون قادرا على الاستزادة في الجامعة والكلية، ويكون متخصصا في فرع من فروع المعرفة، بعد أن أكمل في التعليم العام التعرض لجل المعارف ووصل لقرار اختيار واحد منها لمستقبله الوظيفي والمهني.

إيماننا بهذه الحقيقة يجعلنا نبدأ في النظر إلى القاعدة التعليمية (أي التعليم العام) التي تشمل: الوزارة والمعلم والمبنى المدرسي والمنهج ووسائل التعليم والقرارات ومدى صلابتها لتكون قادرة على تحمل الأدوار المتكررة في سنوات التعليم الجامعي، وحين تكون هذه القاعدة قوية التسليح فإن المحصلة غالبا نتيجة مبهرة للطالب طيلة دراسته الجامعية وما بعدها من الدراسات العليا.

السؤال التالي عن مكونات القاعدة الصلبة المطلوب توفرها في التعليم العام والجواب المباشر بالنسبة لي يتمحور حول أمرين، أحدهما مادي والآخر فكري معنوي، فأما المكونات المادية فتشمل معرفة قوية بالقراءة والكتابة، وقدرة مقنعة في علم الرياضيات، وتمكن شفهي من اللغة (الطلاقة)، وهذه المكونات المادية الثلاثة كفيلة جدا بإكساب الطالب المهارات اللازمة لسبر أعماق المعرفة والتحليل والاستنتاج والتطبيق.

المكون الفكري الذي أرى أهميته في التعليم العام هو تنمية الفكر الناقد وإذكاء روح التساؤل، وهو أمر موغل في الأهمية، خاصة أننا متفقون غالبا على أن المعرفة عبارة عن مشاهدات تبعث تساؤلات! نحن أيضا مطالبون بتعزيز جانب الإبداع في التعليم العام لأننا نؤمن كما علمنا الأجداد وهم محقون أن «العلم في الصغر كالنقش على الحجر» والمقصود بالعلم ليس فقط الجانب المادي، بل أيضا الحذاقة والذهاب وراء المألوف والخروج عن دائرة المعتاد، وصولا لأفكار خلاقة ورؤى ملهمة.

حسنا، إذا اتفقنا على هذه التوطئة الضرورية أعلاه لا بد أن نتفق - بالضرورة - على أن الإخلال بأي مكون منها سيجعل القاعدة التي تحدثنا عنها أقل سماكة وأضعف تحملا لما يليها من التمدد الرأسي مستقبلا، بمعنى أن ما يعتري المكونين المادي والفكري للطالب في التعليم العام من قصور سيصبح صعب العلاج، وربما مستحيلا فيما يليه من مراحل التعليم، تماما كصعوبة التنقيب عن قاعدة المبنى بعد الوصول للدور الـ 13!

هذا التشبيه يقودني إلى القول بأن التعليم العام مسؤول مسؤولية مباشرة عن تشكيل مستقبل الطالب ماديا وفكريا في السنوات التي تليه، بل إنني أذهب إلى أدق من ذلك، لأقول إن التعليم العام بكل مكوناته مسؤول بعضه عن بعض، فالمرحلة المتوسطة مسؤول عنها المرحلة الابتدائية، والمرحلة الثانوية في ذمة المرحلة المتوسطة، فالعمل تراكمي والنتيجة تركيبية وقوة التنامي في الأداء مرتهنة بسماكة الأصول وصلابة القواعد.

أعود لما استهللت به هذه الأسطر، لأقول إنه من غير المقبول منطقيا وعقليا أن يلام أساتذة الكليات والجامعات لضعف الخريج الذي لا يحسن العمليات الحسابية أو لا يجيد الكتابة بالعربية الفصحى أو لا يكتنز قدرا مقنعا من القراءة للكتب المعتبرة في فروع المعرفة المختلفة،

كذلك فهم غير ملومين عن بساطة التحليل لبعض المواقف الحياتية أو هشاشة الاستنتاج أو مساءلة النتائج واستنباط العلل لأن كل ما سبق يبدأ في مرحلة مبكرة من تكوين العقل البشري، وينمو عاما بعد عام إلى أن يصل غالبا إلى مرحلة التحجر Fossilization التي تمثل منحنى يصعب وربما يستحيل معه البدء من جديد وإصلاح ما أرهقته الأيام!

أختم باستغراب أحد المعلمين من إشارتي إلى أن التعليم العام يتحمل مسؤوليه تدني مستوى بعض الطلاب في الجامعة حينما قال: نحن نتعب وتبذل جهدا ونتفانى لكن بعضهم لا يتعلم ولا يحمل روح المسؤولية، فأجبته: وكيف تسمح لمن لا يحمل المكون المادي (المعرفة) والمكون المعنوي (تحمل المسؤولية) أن ينجح ويجتاز المرحلة، ثم تأمل منه أن يتغير بقدرة خارقة في كلية متخصصة يقضي فيها ما بين سنتين إلى أربع سنوات وهي المدة التي لا تعادل سوى 33% مما قضاه في التعليم العام؟ رفعت الأقلام وجفت الصحف!

dralaaraj@