ساعات تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية في تونس التي يكتسي موعدها أهمية قصوى لدى الفاعلين السياسيين المحليين والدوليين، نظرا لأهمية منصب رئيس الجمهورية لدى كافة الشعب، رغم أن النظام السياسي الذي جاء به دستور سنة 2014 لا يعطي صلاحيات كثيرة للرئيس أمام الصلاحيات الكبرى التي يتمتع بها رئيس الحكومة، ولكنه يبقى في أذهان الجميع رئيسا للدولة ورمز وحدتها والضامن لاستقلالها واستمرارها والساهر على احترام دستورها.

كذلك تتجه أنظار شركاء تونس الدوليين بدورهم إلى هذه الانتخابات، باعتبار أن صلاحيات رئيس الجمهورية تتحدد أساسا بكونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو من سيحدد السياسات العامة في مجال انتخابات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي.

فمن سيكون رئيس الجمهورية التونسية؟

يبدو أن حظوظ رئيس الحكومة الحالي السيد يوسف الشاهد تقلصت وضعفت كثيرا في المدة الأخيرة رغم استعماله كل وسائل الدولة في السباق الرئاسي، ورغم استنزافه أموالا طائلة في حملته الانتخابية التي طالت أغلب المدن والقرى التونسية، فقد وقع طرده من عديد من الجهات والمناطق التونسية كمدن القصرين وقفصة وباجة وسليانة على سبيل الذكر لا الحصر. وقد كانت ردة فعله عنيفة بإعفائه عددا من رؤساء الأقاليم الأمنية والولاة والمعتمدين على خلفية هذه الاحتجاجات وتحميلهم مسؤولية عدم نجاح زياراته لتلك المناطق.

يبدو أن التونسيين لن يسمحوا له باعتلاء كرسي قرطاج وتحقيق طموحه في خلافة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الذي يعرف القاصي والداني في تونس أنه ولي نعمته، فهو الذي عينه في بداية عهدته وهو الذي سمح بصعوده المفاجئ. فقد توسعت جبهة أعداء رئيس الحكومة بعد أن اختار الانقلاب "الناعم" على الأب الروحي في آخر أيامه، وقد اتفقت الأوساط الشعبية والسياسية على سحب ثقتها منه، كما أن التونسيين يحملونه وحكومته مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويعيبون عليه فشله في قيادة البلاد خلال سنوات توليه رئاسة الحكومة رغم تمتعه بصلاحيات دستورية عديدة، ويرجعون أسباب فشله إلى انزلاقه في الحرب ضد الفساد التي أعلنها في بداية توليه السلطة إلى أداة غير عادلة، وظف فيها أجهزة الدولة بشكل تسلطي وانتقائي لتصفية حساباته مع كل من يمكن أن يقطع عليه الطريق للوصول إلى قصر قرطاج، فهل سيغفر له الناخبون وقوفه وراء إيقاف السيد نبيل القروي المترشح بدوره إلى الانتخابات الرئاسية على خلفية شعبيته وتصدره المراتب الأولى في نوايا التصويت؟ خاصة أن هذا الخصم السياسي قد حقق ما لم تحققه حكومة السيد يوسف الشاهد خلال السنوات الثلاث الأخيرة من خلال برنامج تلفزي وجمعية خليل تونس، وهي جمعية خيرية ذائعة الصيت في الأوساط الاجتماعية الفقيرة لما قدمته من مساعدات وإعانات لتلك الأوساط في الوقت الذي كانت فيه الحكومة ترصد الأموال للقيام بحملتها الانتخابية الاستباقية.

من سيفوز إذن في الانتخابات الرئاسية في تونس يوم 15 سبتمبر 2019 في ظل هذه التناقضات والتجاذبات الصارخة ونقمة الشعب على الحكومة وتردي الأوضاع الأمنية والاجتماعية؟ زد على ذلك فإن تونس عاشت خلال الفترة الأخيرة المخصصة للحملات الانتخابية محنا كثيرة، منها العملية الإرهابية التي ذهب ضحيتها رئيس مركز الحرس الوطني بمدينة حيدرة من ولاية الكاف، وتهاطل أمطار طوفانية تسببت في إلحاق أضرار مادية بالتونسيين من مختلف الفئات الاجتماعية كشفت الغطاء عن بنية تحتية متردية لم تكن دون شك من اهتمامات الحكومة الحالية.

هل سيفوز في هذه الانتخابات المترشحون المحسوبون على التيار الإسلامي الذين يدخلون السباق تحت راية الاستقلالية والتقدمية؟ هل سينجح الأستاذ عبدالفتاح مورو مرشح النهضة في استقطاب الناخبين والتأثير عليهم؟

يبدو أن الإسلاميين واعون بحجمهم لدى الشعب التونسي ويراهنون على الانتخابات التشريعية أكثر من رهانهم على الانتخابات الرئاسية، وهذا ما يفسر ترشح الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة للانتخابات التشريعية عن دائرة تونس العاصمة دون الانتخابات الرئاسية، وفسح مجال الرئاسيات لغيره، ولا شك أنهم سيكونون أكثر فاعلية وأكثر تأثيرا في الدور الثاني من الرئاسية وسيدعمون مرشحا وفق مفاوضات ترمي إلى مواصلة بقائهم في الحكم.

هل سينجح اليسار في هذه الانتخابات؟ هل سيعطي الشعب التونسي صوته إلى اليسار المنقسم؟ خاصة أن السيد عبيد البريكي مؤسس حركة تونس إلى الأمام يحظى بتجربة سياسية طويلة وببرنامج اقتصادي واجتماعي قد يكون خلاصا لفئات كبرى من الشعب؟ أم إن الشعب سيصوت للكاتب والصحفي والروائي الصافي سعيد الذي يعد من قادة الرأي في تونس وله حضور إعلامي متميز والذي تقدم للانتخابات كمترشح مستقل، لكنه محسوب على اليسار وعلى العروبيين؟

هل سيصوت الشعب التونسي لرموز نظام الرئيس بن علي أمثال الأستاذة عبير موسي؟ أم ستتشتت أصوات التونسيين لوجود 26 مترشحا؟

أعتقد أن التونسيين سيختارون دون منازع رجل دولة قوي وأمين، شخصية توافقية تجمعهم ولا تفرقهم تسعى لصيانة هيبة الدولة القائمة على هيبة الشعب وحقه في التنمية والرفاه والعدالة، شخصية محنكة تسهر على استتباب الأمن من خلال مكافحة مظاهر الفوضى والتصدي إلى تفشي الجريمة، شخصية قادرة على بعث الطمأنينة لدى المواطنين وإعادة عجلة الاستثمار الاقتصادي.

اليوم لا يطرح المواطن التونسي قضية الهوية والدين واللائكية، وإنما يطمح أساسا إلى الشغل وتحسين مقدرته الشرائية المهترئة، فهو بحاجة إلى الرفع من مستوى التعليم والخدمات الصحية والإدارية والنقل، وكل هذا يتطلب القيام بإصلاحات جذرية لا يمكن أن تقع إلا حين تسترجع البلاد إشعاعها بانتخاب رئيس مشهود له بالخبرة والكفاءة والصدق ونظافة اليد والجدية مع العمل على إرساء دولة القانون والمؤسسات، رجل دولة يسير على خطى خير الدين باشا والبشير صفر والطاهر الحداد والحبيب بورقيبة وفرحات حشاد وجميع المصلحين التونسيين، شخصية اعتبارية قوية قادرة على مواصلة المشروع الحداثي التونسي بتعزيز مكتسبات المرأة وفتح آفاق للشباب وإعادة الأمل لهم، رجل دولة بامتياز لا ولاء له إلا لتونس.