قرأت قبل أيام عن قيام دولة جديدة اسمها الجبل الأصفر أنشأتها إحداهن في حوش منزلها، على أن تنتقل الدولة والشعب لاحقا إلى أراضي الدولة الجديدة التي تقع بين السودان ومصر، ومع أن الموضوع يبدو عبيطا بعض الشيء إلا أن كثيرا من الدول الموجودة الآن كانت في البداية مجرد فكرة بلهاء، كدولة الكيان الصهيوني على سبيل المثال.

ولا أخفيكم أن الأمر أحبطني قليلا بحكم أني فشلت في الوصول إلى طريقة للحصول على قطعة أرض لبناء منزل يأوي أفراد رعيتي الذين تسببت في وجودهم في الحياة، مع أن الآخرين يجدون الوقت والطريقة لبناء دول جديدة. الأمر محبط ولكن الحياة ستستمر على أي حال وستندم الدولة الجديدة خاصة أنها قد أعلنت أنها ستكون دولة تعزز قيم الحرية والديموقراطية وتقبل تعدد الأفكار. وهذه منحسة ستدفع ثمنها، فقد جربت هذه الفكرة الحمقاء قبلها ولا مشكلة لدي في تقديم خبراتي في هذا المجال إلى دولة الجبل الأصفر أو أي دولة جديدة تفكر في التواجد على خارطة هذا الكوكب البائس.

فقد اعتنقت بعض الأفكار الهدامة ـ قبل أن أتوب عنها توبة نصوحا ـ فقد كنت مؤمنا ـ على سبيل المثال ـ بحرية التعبير وأن من حق أي إنسان أن يقول رأيه، وأن يعبر عن قناعاته بشكل واضح لا لبس فيه. ولأني كنت أحمق مع شيء من الرعونة فقد زرعت في أبنائي تلك الأفكار وهم صغار، كان أكثر شيء ألقنه لهم وأعودهم عليه هو أن يعبروا عن آرائهم بكل وضوح، وأتذكر بشيء من الندم دروسي لهم وأنا أقول في بلاهة لا تخطئها الأذن: حين يعجبكم شيء فقولوا إنه يعجبكم حتى لو كان لا يعجب جميع الناس، وحين لا يعجبكم شيء فعبروا عن ذلك حتى لو كتب كل الخلق قصائد في الثناء عليه.

ثم كبروا وبدؤوا في ممارسة ما علمتهم، وحينها فقط شعرت بحجم الكارثة التي ارتكبتها، وندمت على سنوات انقضت وأنا أجهل حقيقة الأمر، فالحرية مزعجة، والتعبير عن الآراء مؤذ ومحبط.

أقدم لهم أفكارا أظنها عظيمة للحياة فيرفضونها ويلمحون أحيانا ويصرحون في أخرى بأنها أفكار تافهة عديمة النفع والجدوى ولا معنى لها. وحين أغضب من ردة الفعل يذكرونني بعباراتي البلهاء عن حرية التعبير والحق في رفض وقبول الأشياء والأفكار.

وقد قبلت على مضض أن أتحمل نتيجة أخطائي، وأصبر على أذى الحرية الذي غرسته فيهم حين يتعلق الأمر بحياتهم واختياراتهم التي أعتقد أنها خاطئة، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالحرية وباء سريع الانتشار، فقد بدؤوا في إبداء آرائهم بكل بجاحة في طريقة إدارتي للمنزل وهذا ما لم يكن ضمن تصوراتي. ولم أكن أتوقع أن تصل إليه الأعراض الجانبية لداء الحرية.

وعلى أي حال..

إن أرادت دولة الجبل الأصفر النجاح فلتبتعد عن الحريات وما قرب إليها من قول أو عمل، وأن تعتمد رواية 1984 دستورا للبلاد، فالحرية مغرية في البداية لكنها متعبة ومؤذية بعد أن تتمكن من الناس، والميزة التي تتميز بها هذه الدولة أنها بلا شعب حتى الآن، ولا ريب أن الميزة التي تحلم بها كل حكومة على هذا الكوكب لا تريد «وجع الدماغ» هي أن يتاح لها اختيار الشعب فردا فردا ووفق اختبارات قبول صعبة لا يجتازها إلا المواطن الأصفر الصالح الذي يؤمن إيمانا لا يخالطه شك أن العقل زائدة دودية.

agrni@