يقول ليجان السكمري: دعانا ابن وثاب إلى مأدبة عشاء، في قصره بجزيرة القروش، على شرف القاضي ابن سمن السماء، فتراكضنا كأننا نفر من العدو إلى مجلسه، وبعد ساعة جاء كبير مهندسي طرقات وشوارع الجزيرة ركوان الغاغي، ونحن نسميه سرا بيننا (فرس النهر الطائر) لفرط ضخامته وقصره وخفة حركته، ولبعد عهدنا به، مر يصافح الجميع، فوطئ على قدم الطاهومة، فصاح: (أيي، اعنبوك)، ألا ترى قدمي؟ فاحمر وجه ركوان، لكنه واصل السلام، فأكرمه ابن وثاب بالجلوس إلى جواره.

هدأ المجلس، لكن اللكيع شاكز صوّر قدم الطاهومة المحمرة المطحونة، فرفعها على (القروب) وكتب: (هذه دعوة الزوجة، فكيف بدعوة الأم؟). كدنا نتغُّ بالضحك لولا رهبة ابن وثاب وحزم القاضي، فضحكنا بالوجوه التعبيرية فقط، لأن صاحبنا لا يخرج من البيت إلا سرا. قال ركوان: لماذا تلعنني يا طاهومة الشر؟ لكن ما دمنا في مجلس الأبرار، فإني أشكوك إلى ابن سمن السماء، فضحك ابن وثاب حتى كادت تسقط التركيبة المتحركة، وقال على طريقة المسلسلات البدوية: (يا قاضينه يا اللي بالحق ترضينه)، لا أمانع أن تصبح داري ـ فعليا ـ مجلسا عدليا. فقال الطاهومة: ما تزال واجدا عليّ يا غاغي بعد شكوى انحطام البراغي، ألم تجد إلا عظام قدمي (تفش غلك فيها)؟!

تنحنح القاضي، ثم ذكر الله وحمده وأثنى، وقال: هذه قضية طريفة، وأحداث ظريفة، ولا أخال المتقاضيين خصمين، بل بينهما ود مكين، ويجمعهما مجلس أمين، وإني لأرجو منهما أن يعتذرا ويتصافحا الآن. فقال الطاهومة: أرأيت لو أن جملا من فحول أم رقيبة وطئ قدمك؛ لكان ـ والله ـ أهون عليك من ثقل هذا المجموعة من الجمال، ولتعلم أني ما ألمت من ثقله، فوزنه كخفة عقله، قياسا بكتلة غلّه، شكوته إلى رئيس البلدية قبل شهرين، حين أعادوا سفلتة شارعنا فملؤوا خده بالتجاعيد، وأثخنوه بالحفر والأخاديد، فأتلفوا مقصات سيارتي والأذرعة، حتى ضاق صبري بهذا الإمعة، فهو يتسلم المشاريع من المقاولين، دون فحص أمين، لا يختبرها إن كانت تصلح للآدميين، وإني أطالب عدالتكم أن تقتصوا لي منه، وأن تضعوا على كل قدم له واحدة من الكتل الخرسانية التي اكتظت بها شوارعنا وهم يفقعون ويرقعون!

قال القاضي:

هو يدّعي أنك لعنته واللعن مجرّم ومحرم، فانتفض الطاهومة: لم ألعنه! بل دعوت عليه. قال القاضي: وكيف يكون اللعن دعاء؟ قال: إني عن كلامي مسؤول، وأحفظ وأعي ما أقول، قلت له (اعنبوك) أي جُعلت عنبا يتخطفه المارة، بغية التخفيف عن الأرض، وإن شئت العدل فاسأل الجالسين، ماذا يقولون حين تنتفض سياراتهم وتصاب بالكدمات واللدمات، في الحفر والأخاديد وأغطية الخدمات، واعلم أن مهندسي الطرق والمقاولين عليهم آلاف الدعوات والدعاوى من العابرين، وهم بها حقيقون، ذلك أن بعضهم همل، لم يتقنوا العمل، فنالوا الجزاء الأوفى، وعليهم من أفواهنا وخواطرنا ما نعلن وما يخفى، ألم يقل سيدنا عمر «لو عثرت بغلة في العراق؛ لسألني الله تعالى عنها: لِمَ لم تُمهّد لها الطريق يا عمر»، وهؤلاء يضيقون بالممهد، فيتلفونه!

التفت القاضي إلى ركوان، فسأله جوابا على ما سمع، لكنه لم يستطع، فامتقع وجهه وزاد احمراره، وحين انتفخ وجحظت عيناه شعرنا بالخوف، فقفز ابن وثاب ودلق على وجهه ذنوبا من ماء، فتعاون عشرة غلاظ شداد، وأنزلوه على الأرض فكادت أن تميد بنا، فصوره اللكيع شاكز ورفعه إلى (السناب) معلقا: (هكذا يستلقي فرس النهر!)، فضحكنا ضحكة مكتومة، لم يسمعها القاضي لانهماكه متمتما بالآيات، نافثا على الماكر بالمعوذات، حتى أذّن فينا طباخ ابن وثاب: (العشاء جاهز)، فكانت تميمة شافية لركوان، فانقلب على جنبه وطوى كرشه على فخذيه حتى استطاع الجلوس، وقام يمشي على أنف ذهولنا إلى المائدة، وكأنه لم يغشَ عليه، فساقه الله إلى جوار القاضي، ليرى الأهوال ونكائر الأفعال، وتذهله مواقع الأصابع، كضرب السيوف في ظهر الخروف، فابتسم القاضي ونظر إلى الطاهومة، وقال: أحكم أن يدفع إليك ركوان كل الأموال التي أصلحت بها سيارتك، مر بي غدا ومعك فواتير الإصلاح، فضجت أركان المجلس: «كلنا سنمر بمكتب عدالتكم».

ahmad_ helali@