الشح القادم هو شح الماء وفقر مصادره وقلته، وهو شبح مخيف تواجهه الدول بكثير من القلق حتى تلك التي تقع على ضفاف البحيرات والأنهار والمناخ المطير، فما شأن البلاد الصحراوية وقليلة الأمطار ومنها المملكة العربية السعودية التي هي أشد تصحرا وأقل أمطارا من غيرها.

وقضية الماء قضية مصيرية ومقلقة بالنسبة لسكان المملكة، إذ لا يوجد فوق ظهرها أي مصدر من مصادر المياه كالأنهار ولا الأمطار الغزيرة، أما ما في باطنها فقد تضاربت حوله الآراء واختلفت الدراسات التي تجرى للبحث عما هو مخزون في طبقاتها السفلى، وهذا الوضع الخفي أعطى الآراء والتحليلات مساحة واسعة من الضبابية وعدم اليقين عما هو ممكن الاعتماد عليه وثبوت حقيقته من الماء في جوف الأرض، وقد سبب الغموض حول ما تختزن أرضنا كثيرا من الأقوال والمزاعم، كقول مسؤول سابق عن إحدى الجامعات حين زعم منذ 40 عاما أن لدينا من المياه الجوفية ما يعادل مصب نهر النيل لخمسمئة عام، وقد أنكر عليه غيره الذين يرون أن كلامه غير المسؤول كان لإرضاء المسؤولين الذين يخاطبهم ويدغدغ عواطفهم، ومثله كثير من الناس شأنهم دغدغة العواطف وليس الحقيقة لذاتها.

وفي هذه الأيام عاد الجدل من جديد بعد أن باح من عنده علم عما في باطن أرضنا المباركة من تكوينات مائية ناضبة، وتحدث بالتفصيل عما أخرج منها وما بقي فيها، وهو المسؤول الأول عن المياه لمدة طويلة، ذلك هو الأستاذ عبدالله الحصين وزير المياه والكهرباء السابق، حيث بين ذلك بتوضيح ناف للجهالة ردا على بعض المزاعم لمسؤولين سابقين كانت سياستهم في الماضي سببا في استنزاف كثير من رصيدنا المائي فيما عرف قبل 40 عاما بقضية الأمن الغذائي وزراعة القمح غير الموفقة، وما حدث في تلك الفترة من هدر غير مرشد للمال والماء في الوقت نفسه.

ليس مهما ما رد به الأستاذ الحصين على مزاعم من يعتمد على معلومات مضللة عمرها أكثر من 40 عاما، لكن المهم في المقال أنه اعتمد حقائق ودراسات حديثة قامت بالمقارنة بين حال التكوينات المائية قبل 40 سنة وحالها اليوم، وقياس التغير الرهيب المفقود منها كما يقول، وقد أكد مقال الأستاذ الحصين بما لا يدع مجالا للشك أننا مقبلون على مرحلة من العطش والظمأ الشديد إلا أن يشاء الله، ووضح أن ما حدث منذ 40 سنة مضت أفضى إلى نضوب بعض التكوينات المائية وتردت نوعية ما بقي منها، وأن الاستشاريين الذين استعانت بهم الوزارة أول مرة هم أنفسهم الذين قاموا بالتحديث الجديد وميزوا الفاقد بين الحالين.

وهذه فقرة من المقال «وقد قامت وزارة المياه والكهرباء بتحديث هذه الدراسات لكافة التكوينات المائية خلال الفترة من عامي 2005 و2015 ومن نفس الاستشاريين الذين قاموا بالدراسات السابقة، كما اعتمد على آبار المراقبة المنتشرة على كافة التكوينات المائية. وقد أوضحت هذه الدراسات بما لا يدع مجالا للشك أن كافة التكاوين قد تعرضت لانخفاض هائل في منسوب المياه الثابت، بل النفاد الكامل للبعض منها ليس هذا فقط، بل صاحبه في أغلبها تدهور في النوعية، مما استدعى معالجة مكلفة».

هذا النص بعض ما جاء في كلام طويل لوزير الكهرباء والمياه الذي لم يترك الوزارة إلا منذ مدة قصيرة، ومقاله مدعوم بدراسات موثقة حديثة تبين الفرق والنقص بين حال جميع التكوينات المائية عند اكتشافها قبل 50 سنة واستغلالها غير المدروس وغير الموفق، وما آلات إليه من اضمحلال ونضوب سيأتي على ما بقي منها إن لم تعلن حالة الطوارئ من الآن ويرشد ما بقي منها، وتكون لنا سياسة مائية صارمة تميز ما نحن بحاجة إلى استغلاله واستثماره، وما يمكن الاستغناء عنه.

الماء هو الحياة «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، وقد نستطيع استيراد كل ما نريده أو نستغني عنه، إلا الماء، فلا يمكن استيراده ولا الاستغناء عنه، فلنحافظ على ما بقي من مخزوننا المائي وننمي مصادره ونواجه من يهرف بما لا يعرف بالحقائق العلمية بدل الظنون والتخرصات التي لن تغني ولن تفيد.

Mtenback@