يسألني أحد الأصدقاء ـ لا اسم له حتى الآن ـ لماذا كنت تهاجم الإسلاميين في وقت سابق ثم غيرت قناعاتك وبدأت في مهاجمة الفريق الآخر؟!

وهو يعتقد أنه يصف أمرا واقعا أكثر من كونه يوجه سؤالا يبحث عن إجابته، وهذا ما نعنيه غالبا حينما نسأل. والحقيقة أيها الصديق الباحث عن اسم أني لم أكن أهاجم أولئك ولا هؤلاء، كنت أدافع عن نفسي فقط، وهذا ما أفعله الآن، أنا لم أغير مكاني ولا موقفي، وكل ما في الأمر أن الطرف الذي يبحث عن عقلي قد تغير. وأنا مصاب بـ «فوبيا» من الأشخاص والجماعات الذين يريدون تولي مهمة التفكير عن الآخرين، وهذا ما كان يفعله أولئك سابقا وما يفعله هؤلاء حاليا.

أحب أن يكون لدي آرائي الخاصة في الناس والحياة التي أبنيها وأصل إليها بنفسي، وأدافع عنها بشراسة، وأتخلى عنها حين أصل إلى غيرها، ولذلك فإن ما تراه هجوما ليس أكثر من دفاع عن الأشياء التي أحبها، وليست مشكلتي أن من يريد الاستحواذ على «أشيائي» قد تغير.

والخطأ الذي وقع فيه السابقون في معركة الاستحواذ على عقول الناس ويكرره اللاحقون هو تربية القطيع، لأن هذا القطيع يصبح مؤمنا بالأفكار أكثر من الذي ابتدعها، وحين كان التيار «الصحوي» يسيطر على الناس، ويجد الدعم الشعبي والحكومي، كان يجمع القطعان من كل صنف ولون وحدب وصوب، وحين فكر بعض رموزه في التغيير والمراجعة والتراجع عن بعض أفكارهم كان أول من هاجمهم وسحقهم وشكك فيهم ونزع عنهم القدسية التي أحاطوا أنفسهم بها هم «قطعانهم» الذين صنعوا على أعينهم واصطفوهم لأنفسهم، التابع المغيب يشعر بالراحة والاطمئنان حين يجد من يفكر بالنيابة عنه، ويشعر بالخطر حين يشعر أن المتبوع تخلى عن الفكرة التي آمن بها وصدقها واتبعها دون أن يجتهد في التفكير. ولذلك يصبح دفاعه عنها شرسا ومؤذيا.

وبقليل من التفكر نجد أن الآلية واحدة، فكرة الصحوة قامت على أساس أن الناس كانوا في غفوة ثم استيقظوا على أيدي أولئك الرموز، وأعادوا الإسلام الحقيقي الذي كان مختطفا. والحقيقة أن الفكرة نفسها تقال الآن بحذافيرها وآلياتها من قبل الفريق المضاد، وتتم تربية قطعان جديدة بتوجهات مختلفة، وتجد ذات الدعم، وستتحول هذه القطعان إلى كائنات متوحشة مؤمنة بالعنف في حال فكر رموزها في التغير والتراجع وتبني فكرة أن الناس أحرار فيما يريدون، وليس من الضروري وجود فئة مهمتها تنويم الناس وإيقاظهم حسب الموجات السائدة.

أول من ستكبله قيود «الجمهور» هم أولئك الذين ينتشون طربا بتزايد أعداد المريدين، وفجأة يصبح القطيع هو الموجه، والخروج عن قناعته أشبه بالانتحار. ويصبح «المتبوع» أسيرا لأفكار هو أول من يريد التحرر منها.

وعلى أي حال..

قطعا لا أعني أن كلا الفريقين على باطل، وأن كل أفكارهما ضارة ومؤذية، لكن الفكرة الأساسية هي أن الكل يؤخذ منه ويرد، وليس من حق أحد أن ينصب نفسه وصيا على الخلق يعلمهم كيف يعيشون وكيف يموتون وماذا يحبون وماذا يكرهون، وأن يسلط عليهم سيف التكفير أو التفسيق أو الزندقة أو سيف التخوين ومعاداة الوطن وهو السيف الذي يستخدمه القطعان الجدد هذه الأيام في ترويض المجتمع.

agrni@