قرأت ـ مثلما فعلتم ـ خبرا عن أن وزارة التعليم وفقها الله قد وجهت أو عممت أو أوحت إلى إدارات التعليم بتدريب المعلمين ورواد النشاط في مدارس التعليم على العرضة السعودية حتى يتمكنوا من تدريب الطلاب عليها. والوزارة لم تنف هذا الخبر ولم تعلق عليه. وربما التبس عليها الأمر فظنت أن من ضمن مهامها حل مشاكل «صفوف» العرضة بدلا من الصفوف الدراسية.

والحقيقة أيها الناس أن المخلوق الفضائي الذي لا يعرف كوكبنا ويقرأ خبرا مثل هذا ستتولد لديه قناعة بأمرين، الأول أن هذه الوزارة قد انتهت من جميع مشكلات التعليم، وحين فرغت ثم لم تعد تجد شيئا لتفعله قررت أن تعلم الصغار كيف يرقصون العرضة، والأمر الآخر الذي سيستنتجه ذلك الكائن الفضائي الجاهل هو أن المملكة العربية السعودية دولة صغيرة المساحة قليلة التنوع الثقافي والتراثي، كل أفرادها يفكرون بذات الطريقة ولديهم نفس القناعات والأفكار ولديهم نفس الموروث الثقافي ونفس الأغنيات ونفس الفنون. وأظنه سيشفق علينا وعلى فقرنا المعرفي والثقافي قليلا قبل أن يطير إلى كوكب آخر يستنتج فيه استنتاجاته البلهاء.

والكائن الفضائي المسكين لا يعلم أن المقصود بالعرضة السعودية هي العرضة النجدية، وهي تراث جميل ورائع وآسر يخص منطقة غالية من مناطق المملكة، لكنه لا يخص بقية الناس، وبقية الناس هؤلاء هم سعوديون أيضا ولهم فنونهم التي يحبونها، والتي يعبرون من خلالها عن سعادتهم وأفراحهم الخاصة أو العامة. لا يوجد ما يمنع أن يحتفل الناس بالمناسبات الوطنية وهم يلعبون الدمة والدحة والخبيتي والمجرور والسامري والخطوة واللعب أو وهم يغنون أغنيات البحارة.

ذلك الفضائي البائس يجهل أن لدينا أقواما لديهم حساسية من التنوع الثقافي والفكري والمعرفي، ويحلمون أن يكون الناس كلهم نسخة واحدة شكلا ومضمونا، ويظنون أن ذلك من علامات الكمال ودليل على المواطنة الصالحة، مع أن اختلاف

الناس آية من آيات الله العظيمة قرنها بخلق السماوات والأرض (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين).

الأمر الأهم الذي لن يكتشفه المخلوق الفضائي ـ لحسن الحظ ـ أن الوزارة لا زالت تتلمس طريقها الذي لم تجده بعد، ولا زالت الفصول الدراسية تتكدس بالطلاب إلى درجة يصعب فيها على المعلم حفظ أسمائهم فضلا عن تدريسهم وتعليمهم.

ولا زال كثير من الطلاب يذهبون إلى مدارس مستأجرة. ولا زالت الوزارة تبحث عن حل نهائي لمشاكل المعلم والمناهج والكتاب المدرسي، ولا زالت تبدل وتغير وتجرب في الخطط أكثر مما يفعل الطلاب في المعامل ـ الموجودة في المدارس النموذجية بالطبع.

وعلى أي حال..

لست ضد القرارات «الإعلامية» وقد تكون مفيدة أحيانا حين لا يوجد غيرها، إضافة إلى أني أجيد الخطوة واللعب الشهري ـ يمكن تسميته اللعب السعودي من باب تعزيز اللحمة الوطنية ـ ولدي استعداد لتقديم دورات للمعلمين والمعلمات في حال أتى للوزارة وزير يعتقد أن اللعب الشهري دليل على صلاح المواطن وحبه لوطنه.

agrni@