كان سؤالا مربكا ومحرجا في الوقت نفسه عندما قال مدير حملة ترويجية تابعة لإحدى الجهات: نتابع ما تكتب، وأردت أن أعرف إن كنت مثل كتاب آخرين نتعامل معهم في كتابة مقالات مدفوعة حول مواضيع محددة سلفا، وكم تكلفة المقال الواحد!! ذكرت حينها كلمة لراحلنا الكبير غازي القصيبي عندما قال يوما: الورَع سهل التحدث به على منابر الخطب وأمام شاشات التلفزة، لكنه صعب جدا ومتعب جدا حينما تتولى منصبا تستطيع بجرة قلم أن تمضي على ملايين الريالات!

تابع صاحب العرض أعلاه: الكاتب الفلاني يأخذ كذا، وفلان يأخذ كذا، وثالث أخذنا معه (بكج) مقالات وتغريدات!! وفعلا بعدها بأيام وجدته في تويتر فجأة مهتما بهذا الموضوع وغرد مجموعة تغريدات عنه. صحيح لا يوجد قانون في السعودية يجرم مثل هذا النوع من التسويق، مثل باقي دول العالم، لأنه يدخل فيما يعرف بالتسويق المضلل Deceptive Marketing، حيث يوجد تقريبا في كل دول العالم الأول قوانين صارمة تضبط هذا الأمر في كل وسائل التواصل الاجتماعي، ورفعت قضايا في المحاكم ضد أفراد ومؤسسات (نايكي مثالا) لم يلتزموا بالمعايير العالمية التي تقضي بأهمية الوضوح الكامل والصارم في العملية التسويقية، وذلك بإجبار المعلن على أن يمهر تغريدته أو صورته السنابية بكلمة #إعلان_مدفوع.

صحيح هذا غير موجود إلى هذه اللحظة في السعودية، ولكن هذا لا يعفي من القانون الأخلاقي في أن كل كاتب ومثقف يحمل على عاتقه أمانة هذا القلم، وتبعة هذا العلم الذي يفترض أن ينتفع منه بعد رحيله، لا أن يخدع الناس به!

أخاطب هنا الضمير الحي وفتات الأخلاق للوقوف أمام طوفان المادية الاستهلاكية التي اجتاحت تقريبا كل شيء حولنا. كان صراعا داخليا بين مشاعر نظرية (كل الناس تأكل.. كل معاها)، وضمير مستتر لا يتكلم يلوح برأسه رافضا. قلت للزميل مدير الحملة الترويجية أعلاه: أشكر لك لطفك وصراحتك، ولكن هذه الزاوية ليست للبيع.

كمية التضليل في تويتر مخيفة، ولهذا لم أعد أثق كثيرا ببعض آراء مختصين يأتيهم - وبدون مقدمات - حماس منقطع النظير للدفاع عن منتج أو مسؤول لمدة أسبوعين! في مثل هذه البيئات لا بد أن يرتفع صوت تفكيرك الناقد، وأن تنظر إلى الصورة الكلية، وتذكر عزيزي المثقف أن الثقة بينك وبين متابعيك إن سقطت لن تستطيع بناءها مجددا!

mhathut@