أؤمن ـ ونحن نحتفي بشاعر عكاظ الذي أبارك لأميره بالفوز ـ بأن الشعر يمثل كفنّ ذوقي عالي المستوى بما يعكسه من آهات وأشواق، وحنين ووجدان؛ قيمة كبيرة في وجداننا العربي، بحيث خلد الشعراء المبدعون أسماءهم ونصوصهم في ذاكرة الناس منذ ما قبل الإسلام حتى اليوم، فمن منا لا يعرف امرئ القيس بوجده، وزهير بن أبي سلمى بحكمته، ومن لم يردد قصائد جرير والفرزدق والأخطل، ولم يحفظ أشعار أبي تمام والبحتري، ويتمثل عشق أبي فراس الحمداني، وصولا إلى تاريخنا المعاصر، حيث أعذب الشعر من لِسْنِ نزار قباني، وأجود المعاني وأرقها من وجد عمر أبوريشة، وفخامة الكلمة وجمال نسقها مع أمير الشعراء أحمد شوقي ونخبة مصر الغنية بأدبائها، وسلاسة الألفاظ وعمقها مع الجواهري ورفاقه من أدباء وادي الرافدين، إلى غيرهم من كوكبة الشعر والشعراء في أقطار عالمنا العربي، الذين يصعب على مثلي أن يحصيهم في مقالة عابرة. وكل هؤلاء وأولئك قد نقشوا صورهم وأسماءهم في سفر الخلود، ولعمري فتلك مزية يغبطهم عليها الصفوة من العلماء، والنخبة من القادة والساسة والحكام.

على أن الأمر ليس يسيرا لأن تكون من أولئك، وليس سهلا أن تصل لمرحلة يشير فيها الناس بوجدانهم إليك، حين يرددون نبضك وكأنه جزء من كيانهم، فذلك إحساس مرهف يتطلب من أولئك الشعراء أن يكونوا هم دون تملق ومراء، بعيدا عن الصنعة المعيبة، فأجمل الكلمات ما تتخلق بنيتها من وجدان وروح، وأكثرها انسيابية في الأرواح تلك التي تتسلل كسحاب مطير من بين ضلوع مكتنزة بالحب والصدق.

كان ذلك ما أراه متجسدا أمامي وأنا أتلوا تلك الأسفار العذبة التي أنشدها بحسه المرهف السفير الشاعر، والوزير الأديب، معالي الدكتور عبدالعزيز خوجة، إذ لم أتمالك نفسي من الإبحار في عوالم الشوق والحنين، والوجد والترحال، وأنا أقرأ بوجداني ما نسجته روحه من مقاطع بديعة، عبر فيها بروح سامية عن عشق مكي بسماته وخصائصه لكل جميل في هذا الكون، وهل أجمل من أن يعيش المرء بقلب رقراق، ونفس محبة، وعقل تواق للجمال. تلك هي بعض ملامح شخصية شاعرنا الذي استحق أن يكون سفيرا لسفر الخلود بيننا، من بعد غياب رفيق دربه الشاعر والسفير والوزير والإنسان غازي القصيبي يرحمه الله.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى أن كل شاعر ملهَم هو سفير لأهله ووطنه وبني جنسه، ومن المفارقة أيضا أن يتمثل عديد منهم وظيفة سفير دبلوماسي لأوطانهم، فزاد ذلك ألقهم ألقا، وإبداعهم إبداعا، وحتما فوجودهم قد رقق من صرامة العمل الدبلوماسي، وأضفى جمالا على كثير من لقاءاتهم البروتوكولية.

بقي أن أشير إلى أن أسفار الرؤيا لشاعرنا السفير والوزير عبدالعزيز خوجة التي تجسدت في ثلاثة عناوين رئيسة، هي: سفر الأنا، وسفر المناجاة، وسفر الخلاص، قد مثلت خلاصة التجربة ليس في حياة شاعرنا فحسب، وإنما في حياة كل امرئ عربي عاش أوجاعه لحظة بلحظة، وتاه في تاريخ من الأحزان زمنا طويلا، ولا يزال يبحث عن خلاصه، فمتى وأين يكون؟ وما أجمل نبض شاعرنا في سفر الأنا حين قال:

إني أنا هذا الكيان

قد جاء من رَحِمِ الزمانْ

قلبي المُركبُ من شياطينٍ وطينْ

وعجينة ممزوجة بالنور واللهب المذابْ

كيف التوازن في معادلة الحساب؟

إني رضعتُ براءتي من ثدي أمي، في نقاوة بُرعمي

وخطيئتي من ثدي دنيايَ، ومن شفةٍ كأحلام العسلْ

وانصبَّ في مَجرى عُروقي، في دمي

هذا المزيج من الشراب

حتى تكَوَّنَ ما تكوَّنَ مِنْ أنَا

لكن إلى أجلِ الأجلْ

@zash113