بعدما استعرضنا أغلب العوامل التي يختار الناس أطباءهم على أساسها ويفاضلون بينهم، نختتم بأهم عاملين مؤثرين، وهما: تجارب الآخرين والراحة النفسية.

أول درس نتعلمه في مادة الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) هو أن ما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات خاصية توارث التجربة، هذه الخاصية التي مكنت الإنسان من الاستفادة من تجارب غيره، والبناء عليها حتى تمكن من صقل الأفكار وبناء الحضارات.

وإسقاطا على موضوعنا اليوم، فإن المرء يتأثر سلبا وإيجابا بما يصله من تجارب المحيطين به مع مقدمي الخدمة الصحية، سواء كانوا منشآت أو أفرادا. ويميل الناس إلى إعطاء أهمية كبرى لهذا الموضوع أكثر من أي عامل آخر، وهذا هو مختصر كلمة (السمعة).

ويعطي الأفراد وزنا أكبر لتجارب الأشخاص الذين يعرفونهم شخصيا أكثر من تجارب الآخرين المجهولين في وسائل الدعاية ووسائل التواصل الاجتماعي وإن كان لهم بعض الأثر. ولذلك فمن الطبيعي أن تجد الأم وابنتها قد جرى توليدهما من قبل الطبيبة نفسها، أو عائلة بأكملها تتعالج عند الطبيب نفسه، وهكذا، إلى درجة أنه لو حدث أي نوع من المضاعفات مع أحد الأفراد فإن ثقة البقية في الطبيب تبقى عالية، ويصبح من السهل عليهم فهم أن المضاعفات تحدث، وأنها ليست بالضرورة ذنب الطبيب.

يبقى أن العامل الأهم في اختيار الطبيب هو الارتياح النفسي، فزيارة الطبيب بحد ذاتها نوع من أنواع الضغط النفسي عند كثيرين، ويزداد الأمر صعوبة على المريض عندما تكون المشكلة الطبية جدية أو حساسة أو الظروف المحيطة غير جيدة أو أن طبيعة المريض قلقة أو سهلة التوتر.

يحبذ المرضى الطبيب الذي يستمع إليهم ويعطيهم الفرصة للتأقلم وإزالة بعض التوتر والحديث، والذي يحسون أنه أقدر على فهم مشكلتهم، وليس فقط الأقدر على علاجها، ويستطيعون تكوين العلاقة الصحيحة بين المريض والطبيب.

وهنا يجب أن نعي جيدا أن هذه العلاقة تبادلية، بمعنى أن الطبيب يجب أن يشعر أن المريض يضع ثقته فيه ويحترم رأيه ويضع العلاقة في إطارها الصحيح. ومن أسوأ ما يفعله المريض أن يعتقد أن الطبيب يمكن أن يخدمه أفضل تحت الضغط أو خوفا من شكوى أو تهديد. فكما أن من حق المريض أن يرفض العلاج من طبيب لا يرتاح له، فمن حق الطبيب ألا يكمل علاج مريض لا يرتاح للتعامل معه، وأن يحيله إلى طبيب آخر.

إن تكوين هذه الرابطة الإنسانية بين المريض والطبيب في إطارها الصحيح، والقائمة على الاحترام والثقة هي الأساس الذي بدونه يصبح كل شيء آخر فارغا من محتواه، ويبقى أن راحة المريض هي الخطوة الأولى في العلاج، وقد قيل:

إذا أردت الشفاء فاقصد

طبيبا حاذقا ذا لطافة وذكاء

واحترس أن يكون فظا غليظا

إن لطف الطبيب نصف الدواء

drtjteam@