من أهم السمات التي تتوقعها في شخصية الطرف المقابل، أو من يشكل نقطة الحوار معك، سواء كان ذلك الطرف صديقا أو قريبا عزيزا أو غريبا، رجلا كان أو امرأة، أن يمتلك حس الرد التحاوري الراقي.

وهذا الحس الذي أرمي إليه حتما لا يكون وليد اللحظة أو يولد مع الشخص ويتنامى فسيولوجيا كباقي الأعضاء الحيوية للبشر، لكنه يتأسس سيكولوجيا من خلال ما يسمى بثقافة الوعي التأسيسي، وهي استراتيجية يستطيع أي إنسان عاقل راشد بالغ أن يمتلكها لنفسه وينقلها لغيره ويورثها لذريته، فمسؤولية ثقافة الوعي من خصائصها البارزة أنها ليست لازمة وحصرية على المحيط الشخصي فقط، أو أنها تعمل بآلية الأنا التحفظية، ولكنها طريقة متعدية في مضمونها وعملها الشمولي التفاعلي، وتطال أيضا المحيطين في الدائرة المقربة لكل فرد من أفراد المجتمع.

وإذا ما تحدثنا عن تعددية الدوائر المجتمعية، نجد أنها تشتمل على خمس دوائر رئيسة مكونة لمجتمعاتنا المدنية قد تزيد على هذا العدد أو تنقص بحسب طبيعة وثقافة كل مجتمع، مثل دائرة الأصدقاء، ودائرة العمل، ودائرة ذوي القربى، ودائرة المصالح والشراكات، ودائرة المقربين والمهمين كالأسرة الواحدة، والتي تتكون من الذات للشخص نفسه، والشريك مثل الزوج أو الزوجة، والأعضاء كالأبناء والبنات وقد تتعدى للأحفاد، قال تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين» الشعراء الآية 214.

وهذه الدائرة الحذرة، أقصد للمقربين جدا، أعتبرها من أهم الدوائر التي تتشكل بها ثقافة الوعي والمعرفة، إضافة إلى تفاعل الدوائر الأربع الأخرى التي تعمل باستراتيجية النقل المعرفي والإثراء التوعوي الذاتي، ومن ثم الأسري وصولا للزيادة والنمو المجتمعي.

ومن وجهة نظري السلوكية والمعرفية، أرى أن الوعي يتشكل من خلال النقل الثقافي للتجارب والمعارف والمعلومات من رب البيت أو المسؤول عن الأسرة أو من خلال الشخص المسؤول عن التربية، سواء كان الأب أو الأم أو من يقوم مقامهما إذا انتفى دورهما بالوفاة لكليهما أو لأحدهما أو الطلاق أو الترك بهجر المسؤولية الوالدية؛ ولهذا الدور التربوي أثر عظيم وبالغ حين يبدأ كل إنسان بتوعية ذاته وتأسيسها بالثقافة العامة وتعزيزها ومن ثم تقوية تلك الثقافة، وذلك الوعي بأساسيات الفكر البيني الوسطي بمد جسور التواصل مع ثقافة الآخرين من منطلق معايير عدة مكونة لهذا الفكر، لتنتقل من الحالة الدخيلة للمعرفة التي تتفاعل وتخزن داخل عقولنا كخبرات ومهارات، إلى أن تنتقل إلى الحالة الأصيلة في المخرجات، والتي تتم ترجمتها بالسلوكيات والتعاملات بين الفرد والآخرين في المجتمع الواحد أو المجتمعات الأخرى، فيوصف شخص ما بأنه يحمل ثقافة الوعي من خلال المعايير العشرة المتمثلة في الآتي:

• احترام الآخرين بصفة عامة، ومن ذلك احترام أديانهم وأشكالهم وجنسياتهم ولغاتهم ولهجاتهم.

• تقبل الآخرين وثقافاتهم المتعددة في المأكل والمشرب والملبس وطريقة المعيشة.

• الاستماع العام والإنصات الخاص قبل الكلام والمقاطعة.

• التحدث بصوت منخفض وواضح.

• الإرسال والاستقبال في الوقت المناسب أثناء الحوار.

• احترام خصوصيات الآخرين في أوقاتهم وأحداثهم واختياراتهم الخاصة.

• المبادرة بحكمة وروية في حال طرح الرأي للآخر.

• الاعتذار بتهذب ولباقة في حال عدم تقبل الرأي الآخر.

• اعتبار أي معرفة ولو كانت بسيطة قيمة مضافة للوعي الثقافي الذاتي.

• اعتماد عقلية الوفرة المبنية على الكرم والعطاء والخير الشامل للجميع، وإبعاد عقلية الندرة المبنية على البخل والشح والتحفظ بأن الفرص غير متوفرة للجميع.

هذه المعايير أجدها داعمة لثقافة الوعي الفردي والمجتمعي، ومن يمتلكها يجب عليه مساعدة غيره في دائرته المهمة والمقربة أولا، كالشريك من الزوج أو الزوجة، والوريث كالأبناء والبنات والأحفاد، باتباع أسلوب النمذجة والمحاكاة المعرفية للوعي الشامل، فإذا نجح في ذلك حتما سيوفق في بناء مخزون ثقافي للدوائر الأخرى، من حيث القدرة على الزواج وإقامة العلاقات والصداقات والتحاور البناء والبيع والشراء، فالدوائر المجتمعية تتمدد وتتقاطع فيما بينها بحسب الحاجات والإمكانات، وحبس تلك الثقافة وحصرها وعدم نشرها تشكل حتما شخصية هشة غير واعية، لا تتوقع منها الاستمرار والنجاح، ففاقد الوعي لا ترجيه.

Yos123Omar@