قيل قديما إن الثقافة والفن يستطيعان تحقيق ما لا تحققه السياسة، وهذا يطرح سؤالا في غاية الأهمية، خاصة في ظل الأوضاع السياسية الشائكة والحملات المغرضة تجاه بلادنا الغالية عن دور الملحقيات الثقافية في الخارج بما يتعلق بمهامها الثقافية!

في البدء من المهم أن يعرف القارئ الكريم أنه لا ينكر إلا جاحد أو حاقد أن الملحقيات الثقافية في الخارج كانت ولا زالت تقوم بدور متميز ورائع في الشأن التعليمي والأكاديمي، بمتابعة وتسهيل ودعم الطلاب المبتعثين في أغلب دول العالم، وهو دور «تعليمي» بالدرجة الأولى.

المتابع للوضع سوف يعرف جيدا تضاؤل الاهتمام في وزارة التعليم بأغلب ما هو ثقافي، خاصة بعد غياب المناسبات الظرفية غير المنتظمة مثل الأيام الثقافية أو معارض الكتاب أو زيارة شخصية ثقافية بارزة، أو محاضرات جماهيرية، مما يؤكد غياب النشاط الدبلوماسي الثقافي. وأصبحت الشؤون الثقافية في أغلب الملحقيات معنية بالأندية الطلابية وأنشطة محدودة بميزانية ضعيفة أيضا! ولا تلام وزارة التعليم بذلك في قراراتها الأخيرة كون هناك وزارة شابة للثقافة معنية بهذا الشأن، وهنا مصدر اللبس والازدواجية بين الثقافي والتعليمي!

كرنفالات الأنشطة الثقافية والفنية التي تقدم داخل السعودية لا تتناسب مع ما يعرض في الخارج، وهو أمر يشعرنا بالحزن، وهنا تأتي أهمية دور الدبلوماسية الثقافية كإحدى أدوات القوة الناعمة التي تعتمد على جاذبية الثقافة والفنون والآداب والرصيد التراثي والحضاري، وعلى شخصيات اعتبارية في الغناء والشعر والرياضة والمسرح والسينما والرقص والفلكلور، وهو ما لا يمكن أن تقوم به الملحقيات الثقافية.

إن القيام بمهام الدبلوماسية الثقافية بأدوات الملحقيات الثقافية الحالية نفسها هو أشبه بإعطاء لاعب سلة لوحة بيضاء وأقلاما مع منظر خلاب أمامه ثم ينتظر منه أن يعود بلوحة فنية! الدبلوماسية الثقافية تتطلب أن يكون الدبلوماسي المكلف بها على علم واطلاع بالشأن الثقافي في وطنه. وهي ممارسة ليست سهلة، وتحتاج أن يكون الشخص على قدر كبير من الثقافة والحكمة، وأن يجيد لغة البلد الذي يعمل فيه، وهذا أهم عنصر يستهان به دائما، وأن يقرأ تاريخ وحضارة وعادات وتقاليد البلد كحد أدنى. وهذا لا يعني بالضرورة أن من يكلف بهذه المهمة ينبغي أن يكون من المنتجين ثقافيا.

في ظل وجود وزارة الثقافة، لقد جاء الوقت لأن تسلم وزارة التعليم مشكورة راية الملحقيات الثقافية، بعد أن قدمت الكثير المفيد، وأنجزت عديدا من الفعاليات والأنشطة واجتهدت في العقود الماضية بتولي حقيبة الشأن الثقافي زيادة على العبء التعليمي الذي تقوم به. بل إن تركيز وزارة التعليم على ملف التعليم في الخارج تحت دائرة المكتب التعليمي وحده يساعدها أكثر على التعمق وتخفيف القوى العاملة،

بل ويصبح التنسيق بين الملحقية الثقافية والملحقية التعليمية أو المكتب التعليمي على وئام وانسجام ويصب في المصلحة العامة.

لذلك ينتظر من وزارة الثقافة التي نعقد عليها آمالا كثيرة أن تقدم استراتيجية ثقافية واضحة المعالم، وخططا مناسبة بشكل عام وأخرى خاصة تجاه كل دولة وفي مختلف الأنشطة الثقافية، وذلك لتولي زمام أمور الملحقيات الثقافية في الخارج.

faresalhammzani@