الفرق بين القلق والخوف هو أننا نخاف مما نعرف، بينما القلق هو من الشيء الذي لا نعرفه، وإن زعمتُ أني قلق مما أعرفه فإني أقع في لبس عدم التفرقة بين الخوف والقلق، وفي العموم، أنا لست قلقا فحسب، بل خائف أيضا، وحد الخوف والقلق الذي في داخلي يصل حد الرجفة التي تتملكني!

خائف من أن أخطئ في كلمة واحدة في تغريدة ووحيدة في تويتر، فيهجم علي العابرون وغير العابرين، المتنمرون وغير المتنمرين، لأني لم أتفق مع رؤيتهم، ولم أقاسمهم الرأي نفسه، ولم أغرد كما يريدون، ولم أكتب ما يحبون، ولم أعكس لهم الصورة التي يحلمون بها، فلم يتركوا لي مساحة، ولو صغيرة جدا لأختلف معهم وأقول رأيي، فصرت أخاف من سياط تعليقاتهم ومنشنتهم أو حتى هاشتاقاتهم التي تكبلني!

أنا خائف أيضا من جمهور الهلال لو أظهرت حبا ظاهرا لفريقي المفضل نادي النصر، سياط التعصب في داخلهم ستجلد ظهري، وتسلخ جلدي، فهم لا يرحمون، بل إني أخاف من جمهور الفريق الذي أشجعه، فأخاف من جمهور النصر فيما لو خالفت توجها عاما لهم، فهم - رغم نصراويتي - لا يرحمون النصراوي الذي هو منهم إن خالف الخط العام الذي اعتادوه، بل إني خائف على أبنائي أن تأتيهم سياط النقد على والدهم الذي خالف جمهور المدرج والشارع والتحليل الرياضي، والعكس تماما يحدث، لو كنت هلاليا فأنا أخاف من النصراويين وأخاف من الهلاليين أنفسهم!

أنا خائف من سياط (بعض) المتدينين الذين لو تبنيت رأيا فقهيا مخالفا لما اعتادوا عليه، ولو حشرت لهم عشرات الأدلة، مشرفا إياها بآية من كتابة الله، ومعظمها بحديث من رسول الله، فإنهم سيتسلطون علي وسيتسلط علي بعض جهلة الحماس دون أن يتحققوا من أن ما قلته قال به عالم دين هو معتد به معتبر في أدبياتهم، وهو حجة في كتبهم، وهو نفسه يصحح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ويضعف الضعيف منها، وقد ائتمنوه على تصحيح وتضعيف حديث رسول الله، وتقييم رجال الحديث، ولم يأتمنوه على رأي فقهي، اخترت أن أختار ما قال، فنلت من نقدهم لأني خالفتهم فقط!

كما أني خائف أيضا من تعصب بعض الليبراليين الذين لا يعرفون إلا لغة واحدة في الدفاع عن ليبراليتهم وأفكارهم، وهي: كن معنا وإلا فأنت منهم، فبعضهم إن لم تدر في حلقته وتسير في فلكه تنمر عليك واستعدى عليك كل ما حولك وحوله، ولم يوفر أي وسيلة إلا لجأ بها عليك!

وأنا خائف من بعض المثقفين الذين يختلفون معي، فرغم أن المثقف هو الأكثر وعيا - فرضا وزعما مني - إلا أنه إن اختلف معك وصار أقدر منك، نال منك، ولم يقل: هذا رأيه، وله حق الاختلاف، بل كل فنونه القتالية تجتمع في معنى واحد؛ كيف يؤذيك!

متى نختلف دون أن نخاف مما نعلمه؟ ومتى نختلف دون أن نقلق مما لا نعلمه؟ متى نختلف دون أن نفترق؟ ونفترق دون أن يكره بعضنا بعضا، وكيف نكره بعضنا دون أن نؤذي بعضنا بكلمة أو فعل؟ فما بالك أن يصل أذاهم إلى أفراد أسرتك وأهلك!