لا يكاد يمر يوم دون أن أستقبل على بريدي الالكتروني أو الواتس اب عشرات القصص الخبرية لأفراد أو جهات حكومية أو خاصة ترغب في نشرها بالصحيفة.

أخبار يمكن تقسيمها بين نشاطات أمراء مناطق أو نوابهم وما يشملها من استقبالات ومساهمات مجتمعية. وجولات وزراء وكبار مسؤولين لتفقد أوضاع قطاعاتهم والوقوف على مكامن الخلل فيها، تحت أضواء الفلاشات. وإنجازات ونشاطات جهات حكومية وخاصة. ومنتجات أو سلع استهلاكية يرغب مسوقوها في إعلام الناس بها والخدمات التي تقدمها. ومقالات رأي أو خواطر. وأخيرا مناسبات خاصة أو عامة.

والخبر المراد نشره عادة إما يأتيك من إدارة العلاقات العامة للجهة الحكومية، أو شركة علاقات عامة مُتعاقد معها، أو عبر صحفي سابق أو حالي تربطك به علاقة وطيدة، أو آخر لم تسمع عنه أبدا، ولكنه يطمع بكرمك في نشر الخبر.

ولكل جهة أسلوبها الخاص في إقناعك بالنشر، إما بمحاولة الترهيب وإشعارك بتبعات تجاهل الخبر، أو بالترغيب وإسماعك أبهى عبارات الثناء والتبجيل التي قالها المسؤول عنك وعن صحيفتك، أو «بكسر عينك»، كأن تقدم لك هدية تتراوح ما بين صحن شوكولاته فاخر أو تذكرة سفر لأحد المصايف الخارجية (مكفول محمول)، مرورا بجوال آخر موديل أو طقم مكتب.

وأخيرا تسللت وسيلتا «الاستذكاء» و»الاستعطاف» على قائمة الحلول، الأولى بتجييش شركات العلاقات العامة لعدد غير محدود من الصحفيين العاملين بالصحف لحسابها، بحيث تمرر ما تريد نشره في صحفهم من خلالهم، وللصحف الأخرى بعلاقاتهم الشخصية مع مسؤوليها.

والثانية بضغطك إنسانيا، كأن يخبرك شاب حديث التخرج أن تعيينه لدى شركة (س) للعلاقات العامة مرهون بعدد الأخبار التي يستطيع نشرها لديك في الصحف.

المفارقة أن من يرى هوس الكثيرين بالظهور على مسرح الصحف، دون الالتفات لكيفية هذا الظهور أو ما يحويه، يستغرب وهو يسمعهم يتحدثون عن انتهاء زمن الصحف الورقية وإمكانية استبدالها بوسائل التواصل الاجتماعي!

الأسوأ من ذلك محاولة «الترزز» بالمجان، في تناقض عجيب بين حرص تلك الجهات على نشر أخبار مسؤوليها لدى الصحف بالمجان وتهربها من الإعلان لديها، وفي الوقت نفسه عدم ممانعتها في دفع أموال طائلة لنجوم السوشيال ميديا وشركات العلاقات العامة لنشر أخبارها بالصحف.

شخصيا أؤمن بأن الأخبار الرسمية وغيرها المرتبطة بتوجهات وسياسات الدولة، أو التي يصاحبها إنجاز يسجل باسم البلد، ليست بحاجة لمبرر أو إذن لنشرها، وستجد طريقها لصدر الصفحات الأولى للصحف بكل يسر وسهولة وترحاب، بخلاف الأخبار الأخرى التي تحتاج في كثير من الأحيان إلى معجزة ربانية لإقناع نفسك بها قبل إقناع القراء بأنها تستحق الحبر الذي سيسكب على الورق لظهورها.

وقفة:

تمر المؤسسات الصحفية اليوم بمنعطف خطير جدا، منعطف قد يخرجها من المشهد الإعلامي بالكلية ما لم تكن هناك إرادة حقيقية لمعالجة أوضاعها التي تأثرت بمتغيرات ليست من صنع يدها. وهذا إن حدث فإنه سيقضي على إرث ثمين من تاريخ هذه الصناعة الممتد لأكثر من سبعين عاما، وسيخلف فراغا لا تستطيع ملأه جميع المعرفات الفردية الموجودة على الساحة اليوم، مهما حاول البعض في تقديمها كبديل عن الصحف.

وعليه عند التعامل مع الصحف يجب النظر إليها باعتبارها مؤسسات ربحية تسعى لتحقيق مداخيل معقولة تعينها على القيام بدورها على أكمل وجه، وليست كجمعيات خيرية يتفضل عليها أصحاب الخير بالصدقات!

@Alnowaisir