أبومسلم في العنوان هو أبومسلم الخرساني، ذلك القائد المثابر الذي وطد لحكم بني العباس وجند الجنود وأخضع الأمصار، وقمع المعارضين العباسيين ليكون أحد الأسباب إن لم يكن أهمها لقيام دولة بني العباس التي استمرت أكثر من سبعة قرون.

بعد ذلك وكنتيجة حتمية ضرورية لانتصار الفكرة وسيادتها وسؤددها واستمرارها، تمت التضحية بأبي مسلم الخرساني من المؤسس الحقيقي لهذه الدولة أبوجعفر المنصور الذي أنهى الدور القيادي له بعد أن انتهى دوره كأداة فعلت الموبقات، ولم يبق لها سوى تلك النهاية التي تعتبر منطقية ومتماهية مع التاريخ وأحداثه وشخوصه ورواته ورواياته.

ومما ذكره ابن كثير عن المحاكمة السريعة التي أجراها المنصور لقائده الفارسي والحوار الذي جرى بينهما أن المنصور قال له «لو كانت أمة مكانك لأجزأت ناحيتها، إنما عملت ما عملت بدولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليك لما وصلت إلى فتيل»، وكان ذلك في معرض عتاب أبي مسلم لأبي جعفر المنصور بعد أن أبلى بلاء حسنا - من وجهة نظره - وهو يوطد لحكم بني العباس، وهنا يتأكد أن الفكرة مهما بلغ ولاء وبلاء بعض رموزها تظل هي الأساس ويظل الآخرون، خاصة من العناصر الأجنبية، ضيوفا عليها، وإذا علا مستواهم سيصبحون على أحسن الأحوال أتباعا لها ولسادتها، وإذا استلزم الأمر تصبح دماؤهم وقودا لها وضمانا لاستمرارها.

وبالعودة إلى التساؤل المطروح في عنوان المقال، نجد أن تركيا لها أطماع في المنطقة العربية، فلديها التاريخ القريب الذي كانت فيه إمبراطورية إسلامية، وكان سلطانها يعتبر حاميا للمقدسات الإسلامية وتلك شرعية عظيمة وقوة ناعمة ساهمت في تأصيل فكرة الحكم العثماني لتشرعنته كخلافة شرعية تروج شرعيتها بين الناس في ذلك الزمن.

لذلك فإن أي تداخل أو تدخل في الشؤون العربية لا يكون إلا عبر المفاهيم الإسلامية، خاصة أن العرب قد اكتووا بتركيا الحديثة في أواخر عهدها، ومشاريع التتريك، والفوقية العرقية التي تعامل بها الأتراك مع العرب، وما زالت صور القمع والتهجير والإقصاء تستذكرها الذاكرة العربية الجمعية، لتجعل تلك الحقبة حقبة استعلائية بامتياز، وهذه هي النظرة التي كانت وما تزال ترى الوجود التركي في نهاياته في المنطقة العربية وجودا استعماريا يقتضي مقاومته لاستعادة الكرامة العربية وهيبتها.

اليوم تركيا - الإردوغانية - تبحث عن وسيلة لبعثها من جديد في المنطقة العربية، والإسلام السياسي هو إحدى الوسائل لتحقيق هذا المطلب، خاصة أنه يطرح كحل وكرمزية لكل حراك يراد منه تغيير الواقع جذريا، متكأ على شرعيته كدين ثم على العواطف الجياشة لدى العرب في حبهم للإسلام ومظاهره المختلفة.

لذلك تحالفت تركيا مع الإخوان واندمجت أو أدمجت قطر في هذا البعد السياسي الجديد، ليصبح التدخل التركي في الشؤون العربية واضحا وجليا، فهناك قاعدة في قطر، تلاها طلب لقاعدة في السعودية، وهناك حضور في سواكن السودانية وليبيا كذلك، كل ذلك تحت غطاء ديني لفكرة إسلامية تتمثل في بعض رموز الإخوان، وشراكة إيرانية غير معلنة، ودعم إعلامي ومالي من قطر التي لم يعرف حتى الآن ما هي مصلحتها من كل هذا؟ خاصة أنها مختلفة عن تركيا وإيران وعن الإخوان في حضورها وتاريخها ونظام حكمها الملكي الوراثي!

نخلص من كل هذا إلى أن الأطماع التركية وإن تلبست بالبعد الإسلامي فإنها تظل تركية خالصة في قوميتها ومرجعيتها واستعلائها على العرب بفئاتهم المختلفة، ومرجعياتهم المتعددة، فتركيا السنية لديها علاقات متميزة واستراتيجية مع إيران الصفوية! ولديها علاقات متجذرة مع إسرائيل تصل إلى درجة التحالف وإن لم يُعلن ولكن شواهدها العسكرية وحجم التبادل التجاري يدعمان ذلك.

والسؤال الأهم: لو تمكنت تركيا من بعث إمبراطوريتها القديمة أو جزء منها على المنطقة العربية، هل ستتصالح قوميتها مع العرب وتجعلهم في مرتبة واحدة مع الأتراك؟ هل تركيا قادرة على الانسجام مع قطر والآخرين - لاحقا - لتعطيهم حقهم في الحكم والتنفذ؟ أم إن التاريخ وصيرورته وحكمه وأحكامه ستجعل منهم جميعا كأبي مسلم أمام الإمبراطور العثماني الجديد، والذي - حتما - سيرى أن دعمهما لم ينجح إلا لأن الفكرة العثمانية كانت ناجحة نافذة، وربما سيقول لهم: إنما عملتم ما عملتم بدولتنا وبريحنا، ولو كان ذلك إليكم لما وصلتم إلى فتيل، ثم يصفق لينهي المشهد الجديد كما أنهى أبوجعفر المنصور المشهد ذاته قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام.

@alaseery2