لن يعيش الإنسان وحيدا، ولن يسيّر الحياة على ما يشتهيه، وتبقى العلاقات والصلات رابطا بينه وبين بني جنسه، يحتاجونه ويحتاج إليهم، ويجالسونه ويجالسهم، وتربطه بهم كثير من المصالح والعلاقات، فهم في حياة مشتركة، كل شخص فيها له أثر في سيرها، واستمرارها.

الإيمان باختلاف الآراء والثقافات مهم، والأهم من ذلك أن من حكمة الله أن كل واحد يرى نفسه وفكره ورؤيته هي الأصح والأسلم، وهي مناط نجاح العالم كله، ولن يشعر أي فرد في المجتمع أنه ينقص عن غيره من بني جلدته، بل إن ما يراه الآخرون نقصا فيه، في فكره، أو طريقة حديثه، ربما يراه هو مصدر قوته، ومبعث ازدرائه واستنقاصه للآخرين، فإما أن تقبل ذلك منه، وإما أن تخسره، فتنشأ بينك وبينه صراعات لا رابح فيها سوى الشيطان.

أقول إن الإيمان بكل ذلك هو طريق السلامة من التصادم، وسوء الظن، وتقبيح الآخر، وأقل ما يمكن أن يقال: أقصر طريق لبقاء العلاقات مع الجميع، دون خسارة أحد قدر الإمكان، ثم أردف ذلك بتوازن عادل مع الجميع، فلا تتحبب ولا تحب أكثر من اللازم، ولا تقطع وتهجر أكثر من اللازم، وللثناء فن وقدر وزمان، وللعتاب أسلوب ومنهج وطريق، حتى الابتسامة الزائدة بلاهة وغباء، وتقطيب الجبين تنكر وجحود، وفي زيادة الكلام إسقاط للهيبة، وفي قلته تعاسة وهم، وفي الغياب عن العين غياب عن القلب، وفي كثرة المشاهدة ملل وسآمة، وقس على ذلك كل جوانب الخير، وجميع أبواب الشر.

الاتزان في العلاقات مسلك الراشدين، وطريق العقلاء، وهو النجاة من لوم ذي حق، أو عتب محب، والسبيل الموصلة لقلب من أبغضك ساعة، أو كرهك في يوم ما، وهو أمر الله لعباده «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا»، الإسراء 29، ووصية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه «لا يكن حبك كلفا، ولا بغضك تلفا».

دامت حياتكم محبة وصفاء وهناء، لا يكدرها كره ولا بغض ولا هم.