كثير منا يظن أن ما يحدث في تويتر وفي وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى يعبر عن الحراك المجتمعي، ويمثل وجهة نظر المجتمع تجاه القضايا المطروحة، وهذا الكلام غير صحيح إطلاقا. ما يحدث في تويتر وغيره ليس بالضرورة يمثل رأي المجتمع (الحقيقي)، هي مجرد آراء لثلة من الناس فقط لا غير. صحيح أنها جزء من رأي المجتمع ولكن ليست الرأي الوحيد.

الرأي الحقيقي لأي مجتمع هو ما يحدث على أرض الواقع وفي العالم الحقيقي، وليس الافتراضي الذي غالبا ما يدار من خلف الأبواب المغلقة. هناك أمثلة كثيرة تثبت هذه الحقيقة، نأخذ منها أكثر قضيتين أحدثتا حراكا كبيرا في تويتر.

الأولى وهي قديمة، وكانت تتجدد بين حين وآخر وهي (قيادة المرأة)، والقضية الثانية (الحفلات الغنائية).

من كان يشاهد الهاشتاقات التي كانت تتحدث عن قيادة المرأة يظن أن كل المجتمع كان ضد قيادة المرأة، وأن من كان ينافح ويدافع عن حق المرأة قلة قليلة تتمثل في بعض كتاب الصحف اليومية وبعض الناشطات، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك. صدر القرار بالسماح للمرأة بالقيادة وحدد التاريخ الفعلي لبدء تنفيذ القرار، وكانت النتيجة غير ما كنا نراه في ترندات القضية، المرأة قادت السيارة بشكل يفوق المتوقع، وأصبحنا نشاهدها صباح مساء وفي كل مكان، والوضع طبيعي جدا والحياة طبيعية ولم يحدث ما كان يروج له.

والقضية الثانية وهي الأحدث، صاحبت انطلاقة هيئة الترفيه، ووصلت إلى ترندات على تويتر شبه يومية، وما كان يقال عن قيادة المرأة يقال عنها كذلك، والرأي السائد حيالها بأن هناك رفضا مجتمعيا كاملا لإقامة هذه الحفلات، ولكن نعود ونقول ما يكتب في تويتر لا يعبر بالضرورة عما يحدث في أرض الواقع.

شاهدنا زحام الأكتاف على الحفلات الغنائية، ورأينا نفاد التذاكر في أول ثلاث ساعات من صدورها عبر المنصة الرسمية لهذه الحفلات، وشاهدنا العطش الفني للجماهير في كل أرجاء الوطن ومن جيع الفئات العمرية، ولم يكن هذا العطش الطربي لفئة دون أخرى، شاهدنا الكبير قبل الصغير، ولم يكن هذا التفاعل الجماهيري منحازا لمنطقة دون أخرى، الجميع شارك وتفاعل بشكل كبير. ماذا عن ترندات تويتر؟ لا شيء (ما حولك أحد).

رغم كرهي للتكرار لكني مضطر لذلك، أعود لأقول: ما يكتب في تويتر لا يعبر بالضرورة عما يحدث في أرض الواقع.

بهذه الأمثلة التي ذكرناها وغيرها كثير اكتشفنا أو أعدنا اكتشاف فئة كبيرة من المجتمع تخالف دائما ما يطرح في تويتر، وهي فئة صامتة لا تحدث ضجيجا ولا يعنيها الضجيج، لكنها فاعلة بشكل كبير في الشارع، وصمتها لا يعني قلة عددها، على العكس هي الأغلبية، وهي من يلهث خلفها المعلنون والمسوقون، وهي صمام حقيقي وشريان رئيس في كل ما يحدث، وهي ما يطلق عليه سياسيا «الأغلبية الصامتة» أو «حزب الكنبة»، فهي لا تهتم بما يطرح في تويتر ولا تشارك بآرائها مع العامة، لكنها فئة كلامها هو أفعالها، لا تغرد وتزعج الآخرين بـ 280 حرفا، لكن ما تؤمن به وتتبناه تفعله دون النظر لردات فعل تويتر وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي.

صحيح أن تويتر بات أيقونة للتنفيس والتعبير عن الرأي، لكن ما يحدث فيه من (مطاحن) لا يمثل الأغلبية من المجتمع، هو جزء صغير من حراك كبير، والأخذ بمخرجاته ما هو إلا عبث وتسطيح للفئة الأكبر من المجتمع.