الكتابة اليومية أشد خطرا على العقل البشري من المخدرات، أظن أنها تتلفه وتعبث بخلاياه بشكل يصعب التعافي منه. والمعضلة ليست في الكتابة نفسها، فأمرها هين، لكن المرهق هو البحث عن الفكرة المزروعة غالبا في حقل ألغام وخطوط حمراء تتغير أماكنها على مدار الساعة، فالفكرة التي قد يتقبلها الرقيب اليوم، قد يرفضها غدا، والفكرة التي يرفضها اليوم قد يغضبه أنك لم تتكلم عنها في اليوم التالي.

ومع مرور السنوات يصبح «الرقباء» هم جمهور الكاتب اليومي، يكتب من أجلهم ويبحث عن أفكار واضحة لا تجعلهم يفترضون سوء نية الكاتب. وتصبح الرغبة في كتابة ما يريده الكاتب رغبة مؤجلة، فالعجلة تدور سريعا وكل يوم لا بد من فكرة جديدة لا تغضب الرقيب. ليس لأن الكاتب يخاف ـ وهذا وارد ـ، ولكن لأنه يصل لقناعة أن وقته أقل من أن يضيعه في شرح وجهة نظره وتبرير ما يكتبه. يحاول أن يقتنع بالحد الأدنى من احترامه لنفسه وتقديره لها وتمسكه بقناعاته، ولذلك فإنه حين يصل إلى منطقة المشتركات التي يتوافق فيها مع الرقيب فإنه لا يغادرها إلا لماما، لا يخالف قناعاته ولكنه أيضا لا يخالف الرقيب. والرقيب المقصود هنا ليس واحدا فقط، حتى يمكن فهمه ويمكن توسيع مساحة الاتفاق معه، ولكنه «رقباء» كثر، وما قد يقبله رقيب يرفضه آخر حتى تصبح مساحة التحرك التي يجدها الكاتب أقل من أن تكفيه حتى للتنفس.

هذا الوضع مرهق في الأيام العادية، ولكنه أكثر إرهاقا وبؤسا في الأيام التي يكثر فيها هوس التحريض، قراءة النوايا، والبحث عن الكلمات التي لم تقل، وتحميل الكلمات التي قيلت ما لا تحتمل. ومناقشة الأفكار دون الهجوم الشخصي على صاحبها أصبحت فكرة أقرب للخيال العلمي من كونها فكرة يمكن لمسها في الواقع.

كل ما سبق كان المقدمة، أما لب الحديث ومحوره فهو أني سأترك الكتابة موقتا ولفترة ليست طويلة، ولكنها أيضا ليست قصيرة. سأبحث عن نفسي في بضعة أسابيع، وسأحج أيضا إن شاء الله، ثم إن كتب الله لنا ولكم مزيدا من الأيام فإننا على موعد في لقاء ومرحلة جديدة مع هذه الصحيفة التي أصبح ارتباطي بها عاطفيا أكثر من كونه علاقة عمل ووسيلة للنشر.

وعلى أي حال..

ولأني أخاف عليكم من الفتنة في غيابي فإني موصيكم بكلمات فلتحفظها وتعيها قلوبكم فإني لست معكم إلى الأبد، وأقول لكم يجب تؤمنوا بأنفسكم وبأنكم شعب عظيم، وأن وطنكم وطن جميل، وتفاءلوا بالخير تجدوه، وأن ما قدره الله كله خير حتى وإن لم ندرك حكمته. أما النصيحة الثانية فلا تنسيكم مشاغل الحياة أن «فكرة النسوية هي جامعة الرذائل وأحط ما وصل إليه العقل البشري»، وأن النسوية فكرة مختلفة اختلافا جذريا عن فكرة الدفاع عن حقوق المرأة، وأن النسويين والنسويات أخطر من الشياطين الذين يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، لأن الشياطين كانوا على الأقل يحذرون قبل الشروع في العمل «ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر»، وهذا ربما دل على أن أولئك الشياطين كانوا أكثر نبلا من معتنقي النسوية.

وإلى لقاء قريب.. والسلام!

agrni@