في حديث عفوي مع أحد الأصدقاء «خالد أحتاج مستثمر، عندي فكرة وربحها عالي! وما أحد قد سواها»، فكان ردي عليه بسؤال بدهي، اعتبرني مستثمرا، ماذا تحتاج؟ وما إن أكملت السؤال حتى أجابني «وش يضمن حقي؟ لازم أطلع براءة اختراع بالأول»، لعل صديقي فعلا يملك الفكرة، ويملك بعد النظر الذي لا يتطلب منه تحليل السوق لإثبات ما يدعيه. لكن لعل ما يجهله صديقي هو الفرق بين الفكرة والفرصة! وأن هاجس طلب براءة الاختراع ليس إلا مكملا وليس غاية.

قد يكون بإمكانك الحصول على براءة اختراع، ولكن هل يعني هذا مشروعا ناجحا؟ بالتأكيد لا، الفكرة التي تمتلكها مجرد بذرة، ولكن عند غرسها في تربة مناسبة والاعتناء بها ووجود طقس مناسب لها لتتكون شجرة مثمرة، هنا تكون حققت الفرصة. وهذا ما يغفل عنه صديقي العزيز والعديد من الأشخاص.

الفكرة لا تشكل إلا جزءا صغيرا في نجاح «الفرصة» والمشروع، حيث هناك جوانب أخرى أكثر أهمية كالتطبيق والفريق ومعرفة السوق والقدرات والاستراتيجيات وغيرها.

لذا دعني أعيد صياغة سؤالي السابق: هل أنت فعلا بحاجة لبراءة الاختراع للدخول للسوق؟ لا بكل تأكيد، إجراءات طلب براءة الاختراع بذاتها تستغرق من الوقت والجهد الكثير، وفي بعض الدول مكلفة، فيقوم العديد ممن يمتلكون «الفرص» وليس الأفكار بالدخول للسوق لإثبات مدى جدوى الفرصة، أو عمل دراسات مسبقة لمعرفة مدى جدوى الفرصة قبل التقديم على طلب براءة اختراع.

في كتاب «From Ideas to Assets من الأفكار إلى الأصول» يشير Bruce Berman إلى أن من 3%-5% فقط من براءات الاختراع الأمريكية تم الانتفاع سوقيا منها، بينما الباقي غير صالح للتجيير. ونحن هنا نتحدث عن بلد يعد من الدول التي في الطليعة في إصدار براءة الاختراع. هذه الحالة ليست حكرا على الولايات المتحدة، بل دعنا نرى من واقعنا الحالي وأعداد براءات الاختراعات التي تتسابق جامعاتنا المحلية على إصدارها، لكن ما هي المخرجات التي جرى إيصالها للسوق من براءات الاختراع؟

لا أقول هنا لا داعي لإصدار براءات الاختراع للبحوث أو الاكتشافات العلمية، بل لا بد من التركيز عليها أكثر من ذي قبل. ولكن التركيز لا بد أن يشمل أيضا تحليل جدوى هذه البحوث، وإعطاء الأولوية في تقديم طلب براءات الاختراع للفرص ذات الفرص والجدوى العالية وليس فقط للأفكار. وهذا الأمر معمول به في عديد من الجهات البحثية حول العالم، حيث براءة الاختراع لا بد أن تربط بالسوق لمعرفة مدى الانتفاع وقيمتها السوقية، وإلا ستبقى مجرد فكرة كانت حبيسة العقل وأصبحت حبيسة الورق.

هوس إصدار براءات اختراع أصبح يظهر جليا وأصبحت تظهر ألقاب «مخترع» و«مفكر» و«مبتكر»، وأنا مع الجانب التحفيزي الجميل، لكن ينبغي الحذر من هذه الموجة القادمة من «مخترعي الأوراق»، فإصدار براءة اختراع إن لم يكن له مردود إيجابي على الناتج المحلي فهو وبلا شك يعد هدرا للمال والجهد. البحث والتطوير والابتكار منظومة متصلة، وقد تكون إحدى مراحلها الحصول على براءة الاختراع، لكن بلا أدنى شك ليست آخر المراحل.

في المرة المقبلة، عندما يسألك المستثمر عن فكرتك لا تكن متحفظا، فالمستثمر لا يريد أن يسمع الفكرة، بل الفرصة.

KhaledSulami@