طال انتظارنا للائحة الوظائف التعليمية، فمنذ سنوات كنا نسمع عن رتب للمعلمين تضع كل مجتهد في مكانه الحقيقي، فاللائحة القديمة لا تميز كثيرا بين المعلم الذي يرى التعليم مهنة، والمعلم الذي يتخذه (وظيفة)، والمعلمون المجدون أنفسهم في المدارس يعلمون ما كانوا يواجهونه من حرج حين يتساوون في كل شيء مع بعض زملائهم اللامبالين بالمهنة، أو المستجدين، أما وقد أُقرت اللائحة الجديدة فإن الأمر سيختلف تماما عما كان.

ظل ملف إصلاح التعليم الشغل الشاغل للقيادة وللوزارة وللهيئات المتعلقة والمهتمة بالتعليم في المملكة، وتعاقب عدد من الوزراء كل همهم إيجاد الحلول المناسبة لإصلاح الملف التعليمي، وكثرت التنظيرات حول هذا الأمر، وباطلاعي الأول على لائحة الوظائف التعليمية الجديدة كوّنت تصورا بالهدف المنشود منها، فقد رصدت ثلاثة محركات رئيسة في اللائحة، جميعها تسعى نحو تغيير ثقافة الميدان التعليمي، وإذكاء روح التنافس بين شاغلي الوظائف التعليمية، ودفعهم إلى تطوير قدراتهم وتحديث أدواتهم ومعلوماتهم، ألخصها في النقاط الآتية:

ـ رخصة مزاولة المهنة التعليمية التي تمنحها هيئة تقويم التعليم للمعلمين، ومتطلباتها ثلاثة: (اجتياز اختبارات كفايات المعلمين، درجة الأداء الوظيفي، والتدريب) وهي من أهم القرارات التي افتقدها الميدان التعليمي من سنين طويلة، فكما يمنح الطبيب أو المهندس أو الطيار أو صاحب أي مهنة أخرى رخصة مزاولة مهنته، فإن المعلم حقيق بالحصول على هذه الرخصة، ليؤكد جدارته، ومدى جديته على القيام بأعبائه المهنية، من خلال التزامه، وتحركه الجاد نحو تطوير قدراته وتحديث معلوماته وفقا للمتغيرات العلمية والفكرية والتربوية، فزمننا حركي سريع الإيقاع، لا يعترف بالكسالى ولا الجامدين.

ـ إعطاء المعلمين أيضا حقوقهم وفق مستويات الخبرة والخدمة والدرجة العلمية، وهذا مطلب كان يلح المعلمون عليه، ويشعر كثير من الجادين بالضيق والحرج عندما يقيّمهم مدراء ومشرفون تربويون أقل منهم خبرة، أو كان بعضهم طلابا لديهم قبل سنوات قليلة، فإن لم يقيموهم؛ فهم يزاملونهم ويتمتعون بذات المستوى والحقوق، دون النظر إلى سنيّ خدماتهم وخبراتهم الطويلة، وها هي اللائحة تحقق لهم هذا المطلب العادل الذي طال انتظاره، وتنصفهم في ميدانهم التربوي، وأملنا فيه كآباء أن يحرك دماء التعليم، ويشحذ همم المعلمين إلى التنافس المحمود للحصول على الترقيات التي يستحقونها بجهودهم، وزيادة معدلات الأداء.

ـ ربط العلاوة السنوية، وربط تجديد رخصة مزاولة المهنة بمعدل الأداء الوظيفي، وهذا محرك رئيس في تحسين أداء المعلم الجاد، أما المعلم الذي لا يبالي بمهنته ولا يعطيها حقها، ويتذرع بما يتذرع به الموظفون المهملون من أعذار واهية، سيجد أنه يدفع بنفسه إلى الخروج من شرف العمل في الميدان التربوي، وبما أن الحديث عن المكافآت المالية، فقد أسعدتني المكافآت الممنوحة للمدير والوكيل والمشرف، وليتها تضاعف على الأقل.

هذه المحركات الثلاثة تجيء كلها في وقت قال بعض المهتمين أن تعليمنا يتراجع إلى الوراء، وتجيء في وقت مارست فيه الوزارة معظم الحلول بعيدا عن المعلم، إما باستنساخ تجارب عالمية، أو بتجديد المناهج، أو الدفع بحلول تربوية جزئية أخرى، لكنها جميعا لم تؤت الثمار المرجوة، أما اليوم فأنا على ثقة تامة بأن اللائحة الجديدة ستغيّر تعليمنا، وستغيّر نظرتنا إليه، فالجمود الوظيفي الذي كان عليه المعلمون بات من الماضي، بعد أن منحته اللائحة أجنحة جديدة للتحليق إلى فضاءات أرحب.

هناك من المعلمين من يتذمر من اللائحة الجديدة، لكني أحثهم إلى قراءة اللائحة بعناية تامة، والتجرد من شعور رهبة التغيير، والانحاز إلى الوطن وأبناء الوطن، وسيجدون أن اللائحة تنصفهم هم أولا في مدارسهم، وتعطيهم المكانة التي يستحقونها بجهدهم وعطائهم، وفيها خير كثير للطالب، فوطننا اليوم يتحرك برؤية جديدة، وأساس كل تطور في الأوطان الإنسان، والميدان التعليمي هو الميدان الأول الذي تصقل فيه العقول والقدرات والمهارات والأفكار، وصدور اللائحة الجديدة بتنظيماتها المبشرة هدفه الإنسان السعودي معلما ومتعلما، ما سينعكس بأثر طيب على المجتمع والوطن. إلى الأمام يا وطن المجد.

ahmad_ helali@