اعتدل في جلسته ثم استأذن الحضور في منحه لحظات للاستعداد، أخرج حقيبته الصغيرة ثم تعاطى بعض الهيروين وأشعل سيجارة حشيش ثم أطفأ ظمأه بكأس من الويسكي، قبل أن يرفع رأسه وينظر إلى الناس ملقيا على مسامعهم خطبة بليغة مؤثرة عن أضرار الكافيين، قال لهم إن من يتعاطى شيئا يحتوي على هذه المادة يقتل نفسه ويبدد أمواله فيما لا يفيد. وكان الحضور منصتين، وكان هو مسترسلا لا يتوقف إلا لأخذ نفس عميق من سيجارة الحشيش التي يمسكها بيمينه حتى لا «ينسطل» معه الشيطان.

حدثهم عن الشاهي والقهوة وسائر المنبهات، قال لهم كلاما بليغا وعميقا عن أضرار المشروبات الغازية، كان ينتقي كلماته بعناية في حدود ما يسمح به الجزء المتبقي من عقله، تركيب الجمل مذهل، والعبارات تكاد تكون شعرا.

يخرج الحضور متأثرين بما سمعوا، حاقدين على التبغ والقهوة والشاهي، لا يقبلون من أحد أن يشكك أو يعترض على حديث الرجل الصالح الذي أخبرهم للتو أن القهوة أم الموبقات، وأن الشاهي عمل غير صالح. وأن الكولا رجس من عمل الشيطان. وسينتظرون حديثه القادم عن أضرار الزواج في بث حي ومباشر من بيت دعارة.

قد تبدو القصة غريبة مع أنها مشاهدة يوميا، يختلف شكل المحاضر، وتختلف الموضوعات ولكن لفكرة واحدة.

حين تشاهد قناة الجزيرة، أو أيا من وسائل الإعلام الذي تدعمه الشقيقة قطر، وتسمع كلاما جميلا عن خطر «عملاء أمريكا» وعن حلب أمريكا للسعوديين، وعن غياب الحريات وتداول السلطة، ثم تتأثر، فأنت ببساطة لا تختلف عن الحضور في محاضرة الحشاش الذي يتحدث عن خطر القهوة.

شاهدت الرئيس الأمريكي وهو يشكر قطر لأنها بنت لأمريكا قاعدة ومطارا، وشاهدت أمير قطر الشاب الطموح وهو يتحدث بابتسامة عريضة تنم عن رضا وسعادة أمام الرئيس الأمريكي عن المليارات التي دفعتها قطر لأمريكا، وأنا لا أتحدث عن صواب هذا الفعل من عدمه، وإن كنت أتمنى فعليا أن تدفع كل المليارات الخليجية لي أنا بدلا عن أمريكا ـ يكفيني مليار واحد فأنا لست محبا للأموال التي تزيد على هذا الرقم، لكني أتحدث عن ردة فعل الإعلام القطري الشقيق على هذا التصرف، وعن محاضراتهم وبرامجهم عن «حلب» أمريكا للسعودية. كل ذلك اختفى فجأة وأصبح حكمة وبعد نظر. فسبحان الله الذي خلق كل شيء.

وهذا الإعلام هو عينه الذي يتحدث عن الحريات والعدالة والحقوق وتداول السلطة والديموقراطية، والذين يعجبهم هذا الخطاب يعميهم الإعجاب عن رؤية ملاحظة صغيرة كتلك التي تأتي على علب الدواء، يمكن رؤيتها بقليل من التمعن في ذلك الخطاب الإعلامي، يمكن أن تتخيلها مكتوبة على جبهة كل مذيعي ومذيعات الجزيرة «للاستخدام الخارجي فقط ولا يتناول في الدوحة».

وعلى أي حال..

قد يقول قائل ـ فالأذكياء كثر هذه الأيام ـ وماذا عن الإعلام السعودي، أليس هو الآخر يتجاهل ما يشاء ويركز على ما يشاء؟

فنقول للسائل الكريم بارك الله فيه، الإعلام السعودي لم يقل عن نفسه يوما إنه مؤمن بفكرة وجود الرأي الآخر من الأساس، هي في الإعلام السعودي رابعة الغول والعنقاء والخل الوفي، ومع أن هذا شيء مؤسف إلا أن جانبه الإيجابي أنه لم يبع الوهم للناس، ولم يسوق على الآخرين ما لا يقبله. ولم يبع بضاعة يحرمها على نفسه. ويمكن القبول بهذه كحسنة منجية في بحر السيئات.

agrni@