تسربت في الأيام الماضية عبر تويتر نسخة من خطاب مدير عام الشركة الوطنية الموحدة للتوزيع، المعنية بتوزيع الصحف والمجلات السعودية، الموجه لمديري عموم المؤسسات الصحفية، والذي يخيرهم فيه بين إيقاف توزيع الصحف في بعض المناطق بشكل كلي أو جزئي اعتبارا من أول يوليو 2019 بسبب ارتفاع التكاليف التشغيلية وانخفاض الإيرادات، أو تحملهم تكلفة تشغيل تلك الخطوط.

وصاحب التسريب في بداية الأمر نقاش مثمر بين أهل الاختصاص والمهتمين بالأمر لتشخيص المشكلة ومعرفة أسبابها وطرق علاجها، قبل أن تتلقفه الفضائيات ويتدخل فيه ـ جريا على العادة السعودية ـ كل من لا تربطه صلة بالموضوع سوى القدرة على الإفتاء في أي شيء ولو عن جهل، فحرفوا دفة النقاش عن جوهر المشكلة الحقيقي للحديث عن أمور جانبية هي في الأساس «نتيجة» وليست «سببا»، فضاعت القضية وسط الضجيج.

والحقيقة الأكيدة التي لا لبس فيها، أن الصحف الورقية اليوم لا تتحدث عن رغبتها في الحصول على دعم حكومي أسوة بما تحظى به قطاعات أخرى، فهذه رفاهية غير مطروحة الآن، ولا هي بحاجة لأفكار من جهات لا تعلم طبيعة «صناعتها» بدعوى مساعدتها على النهوض من كبوتها. كل ما تحتاجه اليوم هو سداد حقوقها المالية المتراكمة لدى الجهات الحكومية منذ سنوات، حتى بلغت نحو 200 مليون ريال.

ولو صرفت هذه المبالغ أو نصفها لما توقفت الصحف عن دفع مستحقات شركة التوزيع وشركات الطباعة، ولا تأخرت عن تسليم رواتب منسوبيها في وقتها المحدد، ولكفاها الله شر غرامات وزارات «العمل» و«التجارة» و«الداخلية» و«البلديات» والتأمينات الاجتماعية، ولوجدت الوقت الكافي للبحث عما تريد أن تكون عليه في المستقبل بعد تغير خارطة المشهد الإعلامي بالكامل.

المشكلة يا سادة أن الجهات الحكومية كانت قبل عام 2018 تعمد الصحف بخطابات رسمية لنشر إعلاناتها واشتراكاتها السنوية، وبعد تنفيذ الصحف لهذه التعاميد، تطالب الجهة المعمدة بدفع المستحق عليها، انطلاقا من قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود»، والحديث الشريف «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».

ولأن بعض هذه الجهات لا ترى أن للصحف عرقا، كانت تستسهل مسألة صرف البند المخصص للإعلانات والاشتراكات في غير ما خصص له، وبالتالي تأجيل أمر الدفع للميزانية المقبلة.

وفي السنة المقبلة تقوم بتعميد الصحف مرة أخرى بإعلانات واشتراكات جديدة، فيصبح لزاما عليها صرف متأخرات العام الماضي والحالي.

ولأن من شب على شيء شاب عليه، تقوم تلك الجهات في السنة التي تليها بمثل ما قامت به في الأعوام السابقة، وبالتالي تأجيل الماضي والحالي للمستقبل، واستمر الحال على ذلك حتى بلغت المتأخرات ملايين الريالات.

وقبل أن يسأل أحد لماذا لم تطالب الصحف بحقوقها طوال هذه السنوات، أؤكد له أنها لم تتوقف يوما عن ذلك، وأنها بالفعل صرفت شيئا من تلك الحقوق، ولكن بعد مراجعات مضنية، ومحاولات بدت في بعض الأحيان وكأنها تتسول حقها. وأعتقد أن ذلك تم وفق نظرية «تلبيس الطواقي»، أي يصرف من ميزانية هذا العام ما هو مستحق منذ 8 سنوات، والعام المقبل بدلا عن السنة السابعة، وهكذا دواليك.

الأمر الآخر أن ازدهار العمل الصحفي في تلك الفترة، والأرباح المليونية التي كانت تحققها المؤسسات الصحفية جعلاها لا تلح كثيرا في المطالبة بتلك الحقوق، ليقينها بأن ما لدى الحكومة لن يضيع، وأنها ستصرفه عاجلا أو آجلا.

أما اليوم ومع تراجع هذه الأرباح بسبب انخفاض الإنفاق الإعلاني، وضبابية مشهد «الإعلام الرقمي»، أصبح لزاما على هذه المؤسسات البحث في دفاترها القديمة عن حقوقها المتأخرة، لوقف النزف الذي تتعرض له، ولبناء استراتيجيتها المقبلة في التحول الرقمي. التحول الذي لن يتم دون كلفة. وهذه الكلفة تتنازعها رواتب العاملين المتأخرة، حيث لا يتذكر منسوبو بعض الصحف آخر راتب تسلموه هل كان قبل 3 أم 4 أشهر، وحقوق شركة التوزيع، وشركات الطباعة، ومستحقات نهاية الخدمة لمن غادروها، وتأهيل من بقي منهم على العمل الالكتروني. ومن يراهن على ملاك هذه المؤسسات بأنهم سيدفعون من جيوبهم الخاصة فهو واهم، فلا النظام يجبرهم، ولا قدرة بعضهم تسمح بذلك.

الأكيد أن وزارة المالية بإطلاقها في 2018 «منصة اعتماد» سدت ثغرة كانت تسمح للجهات الحكومية بالمناقلة بين بنود الميزانيات وصرفها في غير ما خصص لها، فجعلت لكل بند في الميزانية الجديدة اعتمادا يمكن التأكد من توفر مخصصاته بزيارة واحدة للمنصة وقبل التعاقد مع الجهة الحكومية، ومن ثم تزويد وزارة المالية بمطالباتها مشفوعة برقم الاعتماد، وتأكيد الجهة المستفيدة من الخدمة بتحقيق ذلك، الأمر الذي مكنها ـ كما صرحت أكثر من مرة على لسان وزيرها ـ من صرف 98% من المطالبات المكتملة لديها على الجهات الحكومية لمشاريع 2018.

تبقى الأسئلة الأكثر أهمية:

ما مصير الـ200 مليون ريال القديمة وكيفية تحصيلها؟ ولماذا يتوجب على المؤسسات الصحفية وحدها تحمل تبعات أخطاء الجهات الحكومية؟ ولماذا لا تصرف وزارة المالية ـ بصفتها مرجعية الصرف الوحيدة ـ المبالغ المستحقة على هذه الجهات، ومن ثم معالجة هذه المديونيات بالطريقة التي تراها مناسبة؟ ولو افترضنا جدلا أن وزارة المالية اكتشفت لاحقا أنها صرفت للمؤسسات الصحفية مبالغ بأكثر مما تستحق، أليست قادرة بسلطة النظام على استرجاعها؟

تذكير..

العجلة لا تريد من يخترعها، والتحول الرقمي يحتاج لجناحين للتحليق: «الإفراج عن الديون» و«تشريع كامل من وزارة الإعلام للسوق الرقمية»... وقتها حاسبوا الصحف، أو أرسلوا إعلاناتكم وأخباركم الرسمية لجهات أخرى غير أصابعكم العشرة (الصحف)، لأنكم ببساطة ستجدون أنها اختفت!

رئيس التحرير