في الجاهلية القديمة كان العرب يعبدون أصناما يصنعونها بأيديهم ـ أو يستوردونها ـ، وأظن أن الأمر كان صعبا بعض الشيء، لأن صناعة الأصنام تحتاج إلى إتقان والعرب لم يتقنوا صناعة شيء باستثناء صنعة الكلام، فهم أبرع من وطئ أديم الأرض في هذه الصنعة، أما بقية الصناعات حتى تلك التي تعتمد عليها حياتهم فلم يتقنوا عملها، حتى سيوف «الهند» التي كانت تقطر من دم عنترة وهو يتذكر عبلة ـ في أوقات غير مناسبة ـ لم تكن مصنوعة في مؤسسة عبس للصناعات العسكرية. وكان الأمر صعبا أيضا، لأن الصين لم تكن في تلك الحقبة مهتمة بالتصدير إلى العرب لأنه لم يكن لديهم ما يقايضونها به. وأظن أن المشركين في تلك الأيام قد فاتهم الشيء الكثير لأنهم تواجدوا قبل ظهور البلاستيك، لو كانت الصناعة الصينية موجودة هي والبلاستيك في تلك الأيام لكان عدد الأصنام أكثر من عدد عبادها، وستكون هناك أزمة كثرة المعبودين وقلة العبيد.

في الجاهلية الحديثة لم يتغير الأمر كثيرا، لا زال العرب يصنعون بعض أصنامهم بأيديهم، ويستوردون أصناما أخرى من الخارج ويعبدونها، كان التغيير ربما فقط في بعض الآليات والمعطيات، فقد أصبح العرض كثيرا، والطلب كذلك، فالمعبودون كثر لكن السوق تطلب المزيد، لأن العبيد أيضا كثر.

نوعية الأصنام أيضا تغيرت، وهذا من سوء حظ الصين والبلاستيك، فالأصنام هذه الحقبة بشر حقيقيون، فالصنم قد يكون قائدا أو حزبا أو جماعة، وتعبد هذه الأصنام منفردة أو مجتمعة، أي أنه يمكن أن يكون للعبد أكثر من إله.

ثم إن الأمر توسع قليلا فلم يعد حكرا على الزعماء والقادة والأحزاب، وأصبحت الأصنام أصغر حجما حتى تفي بالطلب المتزايد. وأصبحت الأرض بمن فيها معرضا كبيرا لترويج الأصنام، تختار منها ما تشاء، سواء أردت زعيما سياسيا أو شيخا ـ بجميع أنواعهم ـ أو لاعب كرة قدم أو مطربا أو راقصة أو مغردا لا تعرف عنه أي شيء. حتى نفسك يمكن أن تجد فيها أصنامك الذاتية، شهوتك، تشددك، غباءك، عقلك، رأيك. كلها أصنام يمكن أن تعبدها. حتى «الحرية» نفسها يمكن أن تكون صنما معبودا.

وعلى أي حال..

جاء في معاجم العرب ـ البارعين في الكلام ـ أن معنى العبادة هو: «غاية الحب مع غاية الذل، وتعني الخضوع والانقياد والتذلل، فيقال بعير معبد، أي مذلل سلس سهل الانقياد» إ.هـ

فانظروا لمن تصرف والسلام!

agrni@