ومضى عبدالله الثقفي رحمه الله فنعاه الناس وبكته المدارس وترحم عليه من عرفه ومن لم يعرفه، بعد أن شهدوا جليل عمله أو سمعوا عن طيب سيرته وجمال مسيرته.

الحياة بأكملها دروس وعبر تتناقلها الأجيال ويرويها الآباء للأبناء، والنسق الطبيعي أن يتحدث الأحياء عن مناقب الموتى إلا أن هذه المعادلة تنقلب أحيانا أمام من نحسبهم من الأخيار، فيأتي الحديث مجلجلا من الراحلين إلى المقيمين، وحينها يكون أصدق الحديث وأزكى الكلام وأجمل المواعظ.

حديث عبدالله الثقفي لم يكن وصية مكتوبة يتناقلها الناس من بعده بقدر ما كان مواقف من بيئات العمل بشكل أساسي ومن الحياة بشكل عام، ملؤها النضج الفكري والإحسان العملي وحسن الخلق الذي يبلغ به المرء ما لا يبلغه بجاهه وماله وعشيرته.

ولو أردنا أن نستلهم العبر من رحيل هذا التربوي المهيب، لوصلنا لجملة من الوصايا التي أرسلها لنا بشكل أو بآخر كما يلي:

1 - أن الحب أساس إداري أصيل، وأن الإدارة بالحب والتقدير تصنع المعجزات، لينعكس ذلك إيجابا على بيئة العمل من خلال التفاني في الأداء، والحرص على الإنجاز والنهوض بالمنظمة، وما تميز تعليم جدة الإداري على مستوى المملكة بقيادته وإشادة الوزارة بهذا التفرد عنا ببعيد.

2 - أن العمل بالحب لا يعني التنازل عن قيم التجويد للأداء، وهو الأمر الذي ذكره الفقيد في آخر حديث له حينما قال إن الجودة هي «الإحسان» وإن الإحسان في العمل يعني أداءه على الوجه الأتم والأكمل والأمثل.

3 - الفقيد أيضا أرسل رسالة حول العدالة والمساواة واحترام الأنظمة وقوانين العمل، وهي ثلاث قيم ما وجدت في بيئة عمل إلا أحالتها إلى جنة غناء من التفاني والإنجاز وعلو الشأن.

4 - عبدالله الثقفي رحمه الله سمح لنا بمراجعة القيم الإنسانية في بيئات العمل، وذكرنا أن العمل لا يمكن أن يكون أداة صماء معزولة عن الرحمة واللطف والبساطة، وما مجموع الصور والفيديوهات التي شاهدناها وهو يمسح فيها على رؤوس بعض الطلبة أو يعانق فيها زملاءه أو يشاركهم لعب كرة القدم إلا رسائل تغني عن كل مقال وتروي عطش الباحثين عن القيم الإنسانية المنسية في بعض بيئات الأعمال.

5 - الفقيد رحمه الله برهن بسيرته العطرة للجميع على أن المخلص لله ثم لدينه ووطنه سيظل مكانا للتقدير والاحترام والثناء وقبلها الدعاء، وها هي الرسائل تحمل كل مضامين المواساة والدعاء والترحم على الفقيد من مقام خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين ومستشار خادم الحرمين، إلى كل فرد استشعر أثره وهو يرقد في قبره.

6 - أخيرا، أرسل عبدالله الثقفي رحمه الله رسالة ناعمة الطريقة صلبة المحتوى إلى كل مسؤول بأن يراعي الله في من استخلف عليهم، وأن يؤدي الأمانة كما يجب، وأن يعلم علم اليقين أن رفعة الشأن والترقي في المناصب والمراكز لا يتأتيان بالمزاحمة على حساب الآخرين، ولا الركض بغير هدى، بقدر ما يتحصلان بالنزاهة والإخلاص والمضي قدما بيقين لا ينازعه شك بأن الله يرى وأن الله سيتكفل برفعة من يعمل ولو بعد حين.

لقد مضيت أيها الطود العظيم ولم تمض مناقبك، وكنت درسا نافعا في حياتك وموعظة جليلة في مماتك، فلتطب حيا ولتطب ميتا، وليهنك دعاء الناس لك بعد رحيلك والله يحب المحسنين.

dralaaraj@