أظنكم تشكون في حنكتي السياسية، وتعتقدون أني لست خبيرا استراتيجيا، ولكني أسامحكم على ظنونكم السيئة فالتسامح إحدى هواياتي المفضلة ـ كما تعلمون ـ ثم إن عدم المعرفة بالشيء لا يعني عدم الحديث عنه، والغالب الأعم أننا جميعا ـ أنا وأنتم ـ نتحدث فيما لا نعرف أكثر بكثير من حديثنا عما نعرف ـ إن وجد.

وحتى حين أخطئ في رأي سياسي فإن الأمر لا يتجاوز أني قلت معلومة خاطئة، ومعلومتي الخاطئة لن تغير شيئا في العالم الذي يعج فضاؤه بالمعلومات غير الصحيحة.

الجميل في الأمر أيها الناس أني لست مسؤولا عن أحد ولا تؤثر قراراتي في غيري، وحين أفكر في القادة والمسؤولين عن الدول وكيف أن تصرفاتهم قد تؤثر على حياة الملايين يزيد إيماني برحمة الله سبحانه بالخلق لأنه لم يولني على أحد منهم. حتى في منزلنا فإن أكثر أمر يمكن أن أتدخل فيه ـ بإبداء الرأي بالطبع ـ هو نوع الأرز الذي يفترض أن نستخدمه، وأعرض رأيي ولا أفرضه.

أكثر الحكام الذين أتعاطف معهم وأجد أنهم قريبون مني، خاصة في مهارة القدرة على اتخاذ القرار هو الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر الشقيقة. أعتقد أنه إنسان طيب وخلوق ومؤدب وطموح، ويتمنى أن يعيش في سلام مع الجميع، لكن رأيه في سياسات دولته الشقيقة يشبه كثيرا رأيي في نوعية الأرز. يشتهي شيئا ولكن الذي يُطبخ له شيء آخر.

الفارق الوحيد أن السلطات ـ بضم السين بالطبع ـ الحاكمة في منزلنا ستتفهم الأمر لو أني اجتهدت وأحضرت لهم نوعا غير مرغوب لديهم، ولن يُبدوا اعتراضا حتى ينتهي الكيس، لكن الأمر مختلف في قطر، ودليل ذلك حالة «التمعن» التي أبدتها السلطات الحاكمة فعليا في قطر بعد قرارات القمم التي وافقت عليها في مكة ثم أبدت بعد ذلك تحفظها واعتراضها عليها.

ولأن وضعي أفضل قليلا فإن تعاطفي مع الشيخ تميم حفظه الله تعاطف جدي، لأن وضعه غريب ولم يسبق أن مر على غيره، فهو شاب يحلم ـ كما أظن ـ أن تكون بلده حية بالفن والسياحة والرياضة والاقتصاد، لا أعتقد أنه يهتم كثيرا بالأيديولوجيات وليس مهتما بالإخوان ولا بأي جماعة سياسية في هذا الكوكب. لكن القرار ليس قراره، ومشكلته أنه لا يستطيع عزل أصحاب القرار ولا الانقلاب عليهم ـ حسب سلوم بلدهم ـ لأنهم ليسوا في مناصب رسمية، بل إنه هو الذي قد يعزل من منصبه الشرفي إن هو حاول أن يطبق أفكاره الخاصة.

وعلى أي حال..

بالنسبة لي لم يعد نوع الأرز مهما، بل إني لم أعد أحب الأرز كثيرا، لكني لن أتوقف عن الحلم بأن أشارك بشكل جدي وحقيقي في اختيار كل ما يدخل مطبخنا من طعام ومواعين، وأن يكون ما يطبخ فيه هو ما أشتهيه بالفعل، وبالطبع فإني لا أتمنى للشيخ تميم ـ حفظه الله ـ إلا ما أتمناه لنفسي.

agrni@