تصفحت مطبوعة لإحدى الجامعات السعودية، لم يلفتني فيها إلا صور مدير الجامعة، وحين عددتها وجدتها 13 صورة في 8 صفحات، وصورا قليلة جدا لأعضاء هيئة التدريس، وأقل منها لطلاب الجامعة، وظلت هذه الصورة تطارد ذهني، أتتبعها في كثير من المناشط الأكاديمية والثقافية في الصحف والمجلات، وكذلك صور افتتاحات المؤتمرات واللقاءات لكثير من الإدارات الحكومية والخاصة، تتبعتها في الصحف الورقية والالكترونية وفي مواقع التواصل الاجتماعي، لأجدها تشكل ظاهرة تربطها قراءة واحدة، تتشعب عنها احتمالات قليلة.

عند حضور فعالية، يلفتك العدد الكثير من المصورين يتجولون في المكان، تعوق كثرتهم ـ أحيانا ـ بعض المشاهدات، لكن ناتج تلك الكثرة يظل محصورا على بضعة مقاعد، يجلس عليها المسؤول، حتى المشاركون في فقرات الفعالية لا يحظى أعظمهم حظا بأكثر من صورتين، واحدة وعيناه مغمضتان، والثانية وفمه مفتوح بالحروف الحلقية، أو مزموم بالضمة والواو.

أين تذهب كل تلك الفلاشات التي أعشت عيون الحاضرين؟ لا يعلم ذلك إلا المصورون، فربما يسلمها أحدهم إلى منظمي الفعالية، أو إلى صحيفته، وحتما ستمر أولا بانتقائية المصور، ثم بانتقائية المنظمين، ثم بانتقائية الصحيفة أو قسم العلاقات العامة، ولن ينشر منها إلا القليل جدا، خاصة تلك المرصعة بعيون المسؤول الذي حضر الفعالية، مرة يبتسم، ومرة يفكر، وأخرى وهو يتأمل حركة الإضاءة، وإن بقي فراغ فستضاف إليه صور المسؤولين الأصغر عن اليمين وعن الشمال قعيد، أما الجمهور العريض فحظه من الموضوع كله لقطة إن كانت المقاعد مملوءة، وإن كانت اللقطة مبقعة بالفراغات المشهورة في فعالياتنا فحظها الإلغاء والطمس.

أحد الأصدقاء في جهة ما أخبرني مرة أن المسؤولين في تلك الجهة حذروه من نشر الصور في تغريداته قبل إطلاعهم عليها، واعتماد ما ينشر منها وما يحذف، وهذا يبين الهوس الفوتوغرافي عند بعضهم، ولعل ثقافة الصورة عند المصورين وعند المنظمين وأقسام العلاقات العامة تتشكل بفعل هذا الأمر.

غابت الصورة العفوية، والالتقاطات المميزة للمصورين، ولم نعد نرى ـ غالبا ـ إلا صورا رسمية جامدة، لا نتوقف عندها لخلوها من الحياة، وربما يعزى هذا الغياب إلى الثقافة التي رسمها المسؤول في ذهنية المصور، فالانتقائية واستبعاد غالب الصور التي تتجاوز الصف الأول جعلا المصور يزهد في البحث عن لقطات لطيفة عفوية، وحصرا اهتماماته في المسؤول، فربما يستبعد من فريق التصوير إن كان تابعا للجهة، وربما لا يطلب منه التصوير إن كان ممن يتقاضون أجرا مقطوعا على تصوير الفعالية.

الموضوع ليس ذا بال، وما يهمني فيه هي ثقافة البحث عن الضوء، وهوس بعض المسؤولين بالظهور، وإن لم يفصح عن ذلك، وتظاهر بالزهد في الأمر، فإن مبالغة العاملين تحت إدارته في حشر صوره في كل شاردة وواردة، تكشف عن أمرين، إما أنه يسعد بذلك جدا، وإما أنه حقا زاهد، لكن المبالغين يظنون أنهم بهذه الطريقة يصلون إلى قلب سعادته، وكلا الأمرين مر.

وللمهووسين بالتصوير أقول: إن كثرة ظهور صورك في كل شاردة وواردة لا تجعلك مميزا، بقدر ما تبعث الملل في نفس المتلقي، فاعلم أن الناس لا ينظرون إلى قرص الشمس، لكنهم يحتفون بضيائها، ولا يحتفى بالقمر إلا إذا أبدر!

@ahmad_helali