يرن الجوال برقم ليس مدونا بدليل الهاتف. صوت نسائي على الطرف الآخر. تعتذر عن اقتحام خصوصيتك والاتصال دون سابق ترتيب. تُعرف عن نفسها والجهة الحكومية التي تمثلها. تطلب رعاية إعلامية لمنتدى ستعقده الجهة التي تعمل لديها في الفترة من ../‏‏‏../‏‏‏.... إلى ../‏‏‏../‏‏‏.... بحضور المسؤول (.....).

العرض المطلوب: نشر 4 صفحات إعلانية (مجانية). تغطية خبرية طوال أيام الفعالية.

المقابل: وضع اسم الصحيفة على البوسترات الموزعة في أرجاء صالة العرض. درع تكريمي في آخر يوم.

تعتذر منها وتشرح لها قِدم هذا الأسلوب وبلادته. تسألها عن مدى انفتاحهم على أفكار جديدة. تأتي الإجابة سريعا.. بالتأكيد. تطرح لها حل «الشراكة» بدلا من «الرعاية»، حلا يقدم «منتجات إعلامية» مبتكرة، حلا ينقل المنتدى من مستوى متدن رتيب لآخر عال بديع، حلا ينقل الفائدة للجميع وليس للمختصين فقط، حلا يتطلب «الدفع» مقابل الشراكة والتنفيذ.

تقتنع بالطرح الجديد ووجاهته. تطلب تقديم عرض رسمي مفصل بالأفكار والفعاليات. تَعد بتقديمه لرؤسائها لإقناعهم به.

يمر شهر من المراسلات والمداولات الالكترونية. المسؤولون مبهورون بعرضكم، المسؤولون يتساءلون عمن سينفذ الأفكار، المسؤولون لديهم ملاحظات طفيفة على الاتفاقية قبل التوقيع عليها. فضلا أضف هذه الفقرة (...) في ثانيا. احذف الفقرة (ج) كاملة. استبدل الكلمة (...) من السطر (...) بالجملة التالية (...). أخيرا الاتفاقية أصبحت جاهزة للاعتماد.

أسبوعان آخران من الانتظار والترقب. تسأل عن سبب التأخر. يأتي الرد: المسؤول (ع) لا يملك صلاحية اتخاذ القرار. لماذا إذن تعرض عليه إن لم يكن صاحب قرار.. تسأل؟ الرد: الموضوع انتقل للمدير (هـ). بعد انتظار.. مع الأسف المدير (هـ) أيضا لا يملك صلاحية الموافقة على «الدفع». الأمر منوط فقط بالرئيس الأعلى (ت).

أيام أخرى في ملاحقة العرض الذي تم تحويله للرئيس. العرض أصبح لدى السكرتارية. العرض انتقل لمدير المكتب. المدير سيتحين الفرصة لتقديم العرض للرئيس. مسودة القرار داخل ملف العرض. الرئيس اطلع على المسودة. الرئيس شرح عليها «الرد سيصلكم رسميا بعد أيام».

العرض النهائي المعتمد: نشر 4 صفحات إعلانية (مجانية). تغطية خبرية طوال أيام الفعالية.

المقابل: وضع اسم الصحيفة على البوسترات الموزعة في أرجاء صالة العرض. درع تكريمي في آخر يوم.

مسرحية هزلية ترفضها وتأبى المشاركة بها. تفاجأ بعد أيام بتذاك مقيت وتنفيذ مشوه لمعظم الأفكار المقدمة بعد «تحويرها» بالطبع لطمس السرقة. الشروع في الملاحقة القضائية.

سلوك آخر متكرر من جهات حكومية. قدم لنا الخدمة (...) وسنوقع معكم شراكة تقديم محتوى. الخدمة التالية (...) لترسيخ عمق التعامل بيننا. الثالثة (...) لتجذير سبل العلاقة .. العاشرة (...) لإقناع المسؤولين «اللي فوق» بأن لكم الأولوية. بعد أشهر من النشر المجاني والخدمات مسبقة الدفع: مع الأسف لا نستطيع التوقيع معكم لحساسية الموضوع وحفاظا على الحياد مع جميع المؤسسات الإعلامية.

سؤال: لماذا الإصرار على استغلال الإعلام، أو، بلغة أدق، استغبائه؟ لماذا ترفض الجهات الحكومية «الدفع» للصحف مقابل نشر أخبارها؟ وتقبل بالدفع لنجوم مواقع التواصل الاجتماعي لترويج ما تنشره الصحف عنها! هل الاعتقاد بأن المساحات الخالية في الصحف ستمثل لها عبئا إن لم تنشر أخبارها بالمجان؟ أم إنهم لا يرون في المؤسسات الإعلامية سوى وسيلة للنشر فقط!

ماذا عن قدرتها على صناعة المحتوى، والمساعدة على تحسين صورتها أمام جمهورها، وشرح خدماتها لشرائح المتلقين لها؟

ماذا لو اكتفت الصحف بتتبع الأخبار الرسمية. وخصصت باقي مساحاتها لتقاريرها الخاصة وتصيد سقطات ولقطات الجهات العاملة؛ الخاص منها والعام. أو فرضت مقابلا ماليا عن أي مساحة خبرية تنشرها لها، أسوة بالإعلانات التجارية.

هل ستتغير عندها معادلة النشر.. أم ستستمر على حالها؟