جسد قائد الحرس الثوري الإيراني السابق جواد منصوري المعنى الحقيقي للنظام الإيراني الإرهابي عندما دعا إلى تحويل جميع سفارات بلاده في الخارج إلى مراكز استخبارات وقواعد لتصدير ثورة تقوم على الإرهاب والتخريب.

تبنى نظام الملالي استراتيجية المنصوري التي اختصرها في جملة واحدة «لا يمكن تصدير ثورتنا إلا بالقنابل والمتفجرات»، وبالفعل صدرت طهران الإرهاب والتطرف وقام نظامها القمعي وعملاؤه باغتيال أكثر من 162 ناشطا ومعارضا في 19 دولة حول العالم، وفقا لجامعة بريجهام يونج.

وما زال جهاز الاستخبارات الإيراني، شبكة من المنظمات السرية والمبهمة، كلها تخضع للمرشد الأعلى علي خامنئي، رسالتها الحفاظ على نظام الملالي، والمذهب الخميني داخليا ونشره خارجيا، بات الإرهاب والتخريب سلاح تلامذة الملالي لنشر المذهب الخميني في المنطقة والعديد من دول العالم.

المخابرات فوق القانون

وضع الأساس لنظام المخابرات الإيراني ما قبل الثورة تحت حكم شاه إيران، محمد رضا بهلوي في 1957، قدمت الولايات المتحدة للشاه مساعدة مالية وفنية لإنشاء منظمة الأمن القومي والمخابرات «سافاك»، وكانت مهامه الرئيسية مراقبة المعارضة الداخلية وحماية الحكومة الإيرانية والقوات المسلحة من التسلل الشيوعي.

نمت قوة سافاك داخل إيران إلى حد أن المنظمة صارت فوق القانون، مع سلطة اعتقال أي فرد يشتبه في نشاطه المناهض للنظام، وتعرض المعارضون في بعض الأحيان للتعذيب والاحتجاز إلى أجل غير مسمى، وعلى الأخص في سجن إفين الشهير بسافاك في طهران، والذي يستخدمه النظام الحالي على نحو مماثل، وأصبحت المخابرات أداة قمع مخيفة ذات سمعة داخل إيران بسبب وحشيتها، وتحولت إيران في النهاية إلى دولة بوليسية من خلال «شبكاتها الواسعة للمخبر، وعمليات المراقبة، والرقابة».

جماعات إرهابية

خلال تكوين الحرس الثوري الإيراني، كان التركيز في الغالب على القضاء على التهديدات المحلية للنظام الثوري، الذي كان بمثابة منظمة مخابرات أكثر نشاطا في البلاد خلال السنوات الخمس الأولى، شارك الحرس في قمع المنظمات العنيفة والمناهضة للثورة، مثل مجاهدي خلق الالكترونية «مجاهدي خلق» وفورجان «منظمة شيعية مناهضة لرجال الدين» وحزب توده الشيوعي، ولم تكن خلق وفورغان مجرد حركات معارضة سياسية، بل كانتا جماعات إرهابية تنفذ بشكل روتيني تفجيرات واغتيالات تستهدف مسؤولين إيرانيين، وذلك بحسب صحيفة واشنطن بوست وموقع ستراتفور.

صراع مخابراتي

نظام الحكم الإيراني له هيكل معقد يصعب على الأجانب إدراكه، وأجهزتها الاستخبارية أكثر تعقيدا، وتتفاقم بسبب المنظمات التي لديها ولايات واضحة وغير متداخلة في كثير من الأحيان، وتكرار الجهود، وتحويل المسؤوليات بشكل متكرر.

ويتمتع المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، بسلطة لتوجيه السياسة الخارجية والمحلية لإيران، حيث يعمل كقائد أعلى لقوات إيران التقليدية والحرس الثوري الإيراني، والمشرف على العملاء في جميع وكالات الاستخبارات الإيرانية.

وبحسب بحث للكونجرس الأمريكي، تمتلك إيران جهازين استخباراتيين رئيسين، وزارة الداخلية ومكتب الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني، وكلاهما يتنافس على النفوذ والأولوية، وتم تطوير نظام إيران المعقد من وكالات الاستخبارات، بحيث لا تحتكر أي منظمة جمع المعلومات وعملياتها، لكن في الوقت نفسه، فإن وزارة الداخلية تجلس رسميا على قمة التسلسل الاستخباراتي.

ومنذ عام 2003، لم تلعب وزارة الداخلية أي دور على الإطلاق في عمليات الميليشيات الخارجية أو الاغتيالات المهمة في الخارج، تقوم وحدة الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني بهذه العمليات بالاقتران مع قوة القدس، ذراعها الاستكشافي الأجنبي، وفي الوقت نفسه، تطور دور وزارة الداخلية في الخارج في اتجاه أكثر تجانسا وموجهة نحو التجسس.

الأنشطة المحلية الخبيثة

تهتم وكالات الاستخبارات الإيرانية أولا وقبل كل شيء بالحفاظ على الاستقرار الداخلي لإيران، والتي تحققها في المقام الأول من خلال القمع وتهيئة مناخ من الخوف والترهيب. ويرى نظام الجمهورية الإيرانية أن التهديدات الرئيسية للنظام الثوري تنبع من الحركات الانفصالية العرقية وحركات المنشقين السياسيين.

وبحسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2017 حول الحرية الدينية الدولية، فمنذ انتخابات 2009 المثيرة للجدل، والتي دفعت خامنئي ومؤيديه إلى إلقاء اللوم على وزارة الداخلية لفشلها في منع احتجاجات الحركة الخضراء واتخاذ إجراءات صارمة ضدها، تنازلت وزارة الداخلية إلى حد كبير عن مسؤولية الأمن الداخلي لجهاز المخابرات في الحرس الثوري الإيراني.

تمييز عنصري ضد الأقليات

بينما ينظر إلى إيران بشكل عام على أنها أمة شيعية وفارسية، فإن نحو 60% فقط من سكان إيران هم من الفرس عرقيا، وينظر النظام إلى التنوع في البلاد على أنه نقطة ضعف، وبالتالي يسعى إلى السيطرة من خلال فرض أيديولوجيته الدينية الثورية والقومية على سكانها المتنوعين.

يواجه بعض المواطنين الإيرانيين غير الفارسيين التمييز السياسي والاقتصادي وانتهاكات حقوق الإنسان بانتظام، وتتم إدارة مجتمعات الأقليات في محيط البلاد، مثل المحافظات الكردية والعربية والبلوشية إلى حد كبير من قبل الغرباء، متخلفة عن النواة الصناعية اقتصاديا، وتعاني من التوزيع غير المتكافئ للرعاية والخدمات الاجتماعية، وتخضع لتطبيقات أكثر قسوة من العدالة، وعدد غير متناسب من عمليات الإعدام.

وتلعب أجهزة الاستخبارات الإيرانية دورا في دعم سياسة الدولة ضد الأقليات العرقية والدينية، وتمنعها من المشاركة الكاملة في الحياة المدنية الإيرانية، في العديد من الحالات، وتستخدم لمنع الأقليات من الفرص في القطاع الخاص ومواصلة تعليمهم.

ويقال إن مسؤولي الاستخبارات من وزارة الداخلية والحرس الثوري الإيراني مكلفون بإجراء اختبارات نقاء أيديولوجية لمواطنين من الأقليات الذين يبحثون عن أشياء مثل تصاريح فتح مشروع تجاري أو مكان في جامعة عامة، مما يحرم أولئك الذين عقدوا العزم على أن يكونوا موالين للقدر الكافي، ووفقا لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية، واصلت الحكومة الإيرانية «مضايقة واستجواب واعتقال المسلمين السنة والأقليات الدينية والبهائيين والمسيحيين».

سلسلة جرائم القتل

في فترة ما بعد الثورة، تولى الحرس الثوري زمام المبادرة في قمع عناصر مجاهدي خلق والعناصر الشيوعية المؤيدة للنظام الملكي، وتم تكليف لجنة قضائية بإدارة عمليات الإعدام.

في أواخر 1998، وقعت سلسلة من جرائم القتل المعروفة باسم «جرائم القتل المتسلسلة» والتي أدت إلى الكشف عن دور وزارة الداخلية في القتل الذي استمر عقدا من الزمن للمثقفين والمعارضين، وبعد أن أمر المرشد الأعلى خامنئي بإغلاق صحيفة يومية إصلاحية واعتقال موظفيها باعتبارهم «أعداء الله»، تحركت مجموعة من الصحفيين لتشكيل رابطة للكتاب، فتم استدعاء قادة هذا العمل إلى المدعي العام في طهران لاستجوابهم في أكتوبر 1998، وخلال الشهرين التاليين، قتل خمسة كتاب مرتبطون بالجمعية بعنف.

شكل الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي لجنة للتحقيق في جرائم القتل واكتشف أن نائب وزير الاستخبارات سعيد إمامي، قاد فريقا من عملاء المخابرات الذين نفذوا «جرائم القتل المتسلسلة»، بل وكان وراء 80 حالة وفاة مشبوهة خلال العقد السابق. واضطرت وزارة الداخلية إلى إصدار بيان لم يسبق له مثيل يؤكد دوره في حملة الاغتيالات المستهدفة.

احتجاجات الطلاب 1999

في 7 يوليو 1999، أغلق النظام صحيفة سلام الإصلاحية اليومية، مما أثار مظاهرات طلابية هي الأكبر في إيران منذ ثورة 1979، ولعبت مكاتب الاستخبارات التابعة لكل من الحرس الثوري الإيراني ووزارة الداخلية دورا رائدا في قمع مظاهرات الطلاب لعام 1999، وعندما تبلورت الانتفاضة، أرسل ضباط الحرس الثوري الإيراني خطابا إلى الرئيس خاتمي يشيرون فيه إلى عزمهم على قمع المتظاهرين.

بدأ العنف المحيط بانتفاضة الطلاب خلال ساعات الصباح الباكر، وشهد اليوم السابق بداية الاحتجاجات، حيث تظاهرت مجموعات من طلاب جامعة طهران ضد إغلاق سلام، وبعد منتصف الليل بفترة وجيزة اقتحم نحو 400 شخص من شرطة مكافحة الشغب يرتدون ملابس مدنية مجمعا سكنيا للطلاب بجامعة طهران وبدؤوا بمهاجمة الطلاب وتدمير الممتلكات. قتل ما لا يقل عن خمسة طلاب، قيل إن بعضهم ألقوا من الشرفات، واعتقل 200، واحتجز النظام من 1200 إلى 1400 طالب خلال الاحتجاجات.

مظاهرات 2017

في أواخر ديسمبر 2017، تبلورت حركة احتجاج إيرانية جديدة مع اندلاع المظاهرات في مدينة مشهد بسبب ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وانتشارها في جميع أنحاء البلاد، وتضمنت المظاهرات عناصر من حركات الاحتجاج الإيرانية السابقة، ولأول مرة شملت العديد من العناصر التي لم يسبق لها الاحتجاج، كان من المفترض أنها من أنصار النظام الطبيعي، مثل الأسر ذات الدخل المنخفض التي تعتمد على مزايا الرعاية الاجتماعية.

ولعبت كل من المخابرات ووزارة الاستخبارات الإيرانية والحرس الثوري دورا في مكافحة الاضطرابات، وسعى الأخير لمنع الوصول إلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي في تيليجرام وانستجرام والتي كان الإيرانيون يستخدمونها لتبادل المعلومات حول الاحتجاجات.

وبحسب ما ورد اعتقل عملاء وزارة الداخلية أكثر من 90 شخصا خلال هذه الاحتجاجات، وحبس بعض المحتجزين في سحن انفرادي وحرموا من الاتصال بمحاميهم.

الأنشطة الدولية الخبيثة

تلعب وزارة الإعلام ومنظمة استخبارات الحرس الثوري الإسلامي دورا أساسيا للحفاظ على الثورة وتصديرها، في حين أن قوة القدس وقائدها قاسم سليماني في طليعة الحملة الإيرانية العالمية للإرهاب والتخريب اللذين ترعاهما الدولة.

وتقوم وكالات الاستخبارات الإيرانية بدور من وراء الكواليس، حيث توفر المواد والتقنية والسوقيات والإمداد، والدعم التشغيلي لقوة القدس والوكلاء الإرهابيين في إيران، بما في ذلك حزب الله وحماس وميليشيات شيعية مختلفة، وفي بعض الأحيان، تعمل وزارة الداخلية والحرس الثوري الإيراني بشكل مستقل عن بعضهما البعض لتعزيز أهداف السياسة الخارجية الإيرانية.

162 اغتيالا في 19 دولة

الحفاظ على هيبة النظام هو الشاغل الرئيس لأجهزة الاستخبارات الإيرانية، تنشط المجموعات المنشقة سياسيا وعرقيا من مختلف المشارب في الخارج، وتلعب وزارة الداخلية دورا رائدا في مراقبة هذه الجماعات والتسلل إليها وتخريبها على أرض أجنبية.

في أعقاب الثورة الإيرانية، شرع مجلس الثورة بقيادة آية الله الخميني عقب تنصيبه إلى القضاء على المعارضة، وقام عملاء المخابرات الإيرانية في الخارج بحملة اغتيالات موجهة ضد المنشقين المنفيين، ووفقا لمركز توثيق حقوق الإنسان الإيراني، تم ربط عملاء المخابرات الإيرانية باغتيال ما لا يقل عن 162 من الناشطين المغتربين من أصحاب الملكية والقومية والديمقراطية في 19 دولة مختلفة، وذلك بحسب بحث منشور بجامعة بريجهام يونج.

وفي ديسمبر 1979، قتل الأمير شهريار شفيق، ابن شقيق الشاه البالغ من العمر 34 عاما، وأجبر شفيق على النفي بسبب جهوده لتنظيم مقاومة لحكومة الخميني الثورية، وهي أنشطة واصلها فور وصوله إلى فرنسا، أطلق مسلح كان يخفي هويته بخوذة دراجة نارية النار عليه مرتين فقتله.

تصدير الثورة

اتخذت إيران قرارا بنشر أيديولوجيتها الثورية من خلال الإرهاب والتخريب في السنوات الأولى التي تلت الثورة، ففي مؤتمر 1982 في طهران، أعلن قائد الحرس الثوري الإيراني السابق جواد منصوري، «لا يمكن تصدير ثورتنا إلا بالقنابل والمتفجرات».

وفي نفس الخطاب، دعا المنصوري إيران إلى تحويل كل سفارة إيرانية إلى مركز استخبارات وقاعدة لتصدير الثورة، وتبنى النظام استراتيجية المنصوري، ونتيجة لذلك، تسعى إيران إلى دمج عملاء المخابرات السريين وعناصر الحرس الثوري الإيراني في سفاراتها الأجنبية، والتي غالبا ما يتم فحصها من قبل الدول المضيفة.

ووفقا لستراتفور «تضم إيران أقساما استخبارية كبيرة في سفاراتها ومهامها، وغالبا ما تشمل التغطية الرسمية مناصب في وزارة الخارجية بالخارج وتستخدم وزارة الداخلية أيضا غطاء غير رسمي لضباطها، بما في ذلك طلاب وأستاذ وصحفي وموظف في الشركات المملوكة للدولة أو

المرتبطة بالدولة.

في المجتمعات التي تمتلك فيها إيران سفارة أو قنصلية، تدير عادة شبكة مترابطة من المساجد والمراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية والجمعيات الخيرية والأجهزة الإعلامية.

ويحدث التوظيف في كثير من الأحيان في المؤتمرات التجارية والمناسبات الدينية أو الثقافية، وهؤلاء المجندون بدورهم يوفرون للنظام الإيراني قاعدة دعم في البلدان المضيفة، وتدفع أجهزة الاستخبارات الإيرانية أكثر الأفراد الأيديولوجيين الملتزمين بالسفر إلى إيران للتدريب المتخصص في الشؤون الدينية وشبه العسكرية.

التهديد السيبراني

في 2010 تم استهداف أكثر من 15 منشأة نووية إيرانية بواسطة فيروس الكمبيوتر الخاص بشركة Stuxnet، وهي دودة تم تطويرها بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتي دمرت نحو 1000 جهاز طرد مركزي، وكشف الهجوم عن ضعف الدفاعات الالكترونية الإيرانية، مما دفع إيران إلى البحث بسرعة عن تطوير القدرات السيبرانية الهجومية والدفاعية.

بحلول عام 2011، أنشأت إيران «قيادة الكترونية» لمكافحة التهديدات والقيام بعمليات انتقامية، ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إيران «بارعة بشكل متزايد في تنفيذ عمليات التجسس الالكتروني والهجمات التخريبية ضد المعارضين في الداخل والخارج».

ووفقا لتقرير من مؤسسة كارنيجي حول التهديد السيبراني الإيراني، فإن تقييم التهديدات العالمية لعام 2018 لجماعة الاستخبارات الأمريكية يفيد بأن إيران «ستواصل العمل لاختراق شبكات الولايات المتحدة والحلفاء للتجسس ولتحديد موقعها لشن هجمات الكترونية محتملة في المستقبل».