إذا كان الصّبُ تفضحه عيونه فإن المريض أيضا تكشفه عيونه، وللعيون لغة يقرؤها الأطباء حتى وإن تعطلت لغة الكلام، ومنها قد يشخصون كثيرا من العلل بمزيج من العلم والفراسة.

وكما تساءل الشاعر إذا كان هناك أكثر فضحا من عين المحب لسره، تساءل الأطباء منذ القدم عن سر كل تغير وأهمية كل عرض في العين، لا ليدرسوا أمراض العيون والرمد فقط، ولكن ليروا أبعد من ذلك ويقيسوا انعكاسات العلل الداخلية والآفات الباطنية على العين، حتى أصبح من الممكن للطبيب الحاذق أن يشخص كثيرا من الأمراض من النظر في عيني المريض.

بداية يمكن للطبيب أن يعرف كثيرا عن الحالة النفسية للمريض من نظرته، ويميز العين المتعبة والتي أضناها السهر وتكونت حولها الهالات السوداء، ويميز النظرة القلقة المضطربة وتلك المشتتة والساجمة التي لا تتفاعل مع ما حولها وغيرها حتى ليكاد الإنسان أن يصبح كتابا مفتوحا وإن حاول أن يخفي ما به.

هذا من الجانب النفسي أما من الجانب العضوي فيمكن للطبيب أن يشخص فقر الدم وسوء التغذية من شحوب باطن الجفن والعين، وأمراض الكبد من تغير لون الملتحمة أو بياض العين، وهكذا.

كل مرض قد يترك دليلا عنه في العين، ولنأخذ مثلا أمراض الغدة الدرقية، فإن أصابها خمول تهدلت الجفون وترسب حولها الدهن، وإن أصابها نشاط زائد جحظت العين واحمر بياضها، وهي علامات لا يغفلها الطبيب المتمرس. وعند المصابين بداء السكري تتكون أوعية جديدة وبقع بيضاء أو دموية في قاع العين أو الشبكية، وعند مرضى القلب يمكن ملاحظة بعض البقع النزفية.

إن كل جزء من العين يمكنه أن يخبرنا عما يعانيه المريض من أمراض أو ما يأخذ من أدوية. حدقة العين أو البؤبؤ كمثال توسعها يحدث نتيجة تناول بعض العقاقير وكذلك تضيقها، وليس بعسير على الطبيب أن يكتشف تناول شخص لأدوية أو مخدرات بالنظر في عينيه.

أما القزحية وهي الحلقة الملونة المحيطة بالبؤبؤ فهي أيضا مصدر لكثير من المعلومات من تكون الحلقات المميزة لأمراض نقل النحاس في الجسم إلى الترسبات الناجمة عن خلل في التعامل مع الحديد، وغير ذلك كثير، والنظر من خلال الحدقة يمكننا من النظر إلى داخل الدماغ، وهو المنظر الوحيد الذي نرى فيه الأوردة والشرايين عارية مع كل ما تحمله من رموز ودلالات لعلل شتى.

ومراقبة حركة العين مفتاح لتشخيص العديد من الأمراض العصبية، بل وأمراض الأذن الوسطى والاتزان وحركة الجفون، كذلك تمكننا في حالات معينة من تشخيص كثير من الأمراض، أما فحص قاع العين فهو كتاب كبير كتبت فيه رموز الأمراض والأسقام، حتى الرموش فيها علامات نميز بها بعض الأمراض.

هذا غيض من فيض، ولذلك عندما ينظر الطبيب في أعينكم المرة المقبلة فلا تحسوا بالحرج، فهو لا يتأمل جمال عيونكم، بل يحاول أن يعرف ما الذي أتى بكم إليه.

drtjteam@