لفت نظري إعلان من وزارة الصحة على طاولة إحدى الصيدليات، فحواه أن عقوبة الاعتداء الجسدي أو اللفظي على الممارس الصحي تصل إلى السجن عشر سنوات، أو غرامة مليون ريال، مما حرك دهشتي واستغرابي، فبحثت خلال الانترنت لأجد الأمر حقيقيا، ذات الإعلان منشور على حساب وزارة الصحة على موقع تويتر.

لا مراء في أن الاعتداء اللفظي أو الجسدي على جميع البشر مجرّم، ولا جدال في أن الممارسين الصحيين يتعرضون لكثير من الأذى من بعض الناس، ولا اختلاف في ضرورة العقاب والردع، لكن مثار الاستغراب يأتي من هذه العقوبة الكارثية، على المستويين الزماني والمالي، ويثير الاستغراب أكثر أن تأتي من وزارة الصحة، فهي أعلم القطاعات بالحالات المرضية التي يعانيها الناس، فمرضى السكري، والضغط، والقولون العصبي، والمرضى النفسيون، وغيرهم هم أكثر الناس تماسا مع الممارسين الصحيين، وهؤلاء قليلا ما يتحكمون في انفعالاتهم غالبا، أضف إليهم مرافقي المرضى الذين تلتهب عواطفهم تجاه معاناة أقربائهم، فيواجهون برودا أو تقصيرا حقيقيا أو متوهما من بعض الممارسين الصحيين، فيخرجون عن طورهم مجبرين.

والأمر من زاوية أخرى هو كثرة تردد العقوبات المليونية التي طغت مؤخرا، مما يشعرك بأن واضعي هذه العقوبات لا يعلمون أن أكثر من 95% من الشعب لا يملكون هذه المبالغ الضخمة المترددة في عدد من العقوبات التي تعلن عنها الجهات، فالمواطنون ليسوا جميعا أغنياء ولا ملاك شركات، ونحن ـ أيضا ـ مجتمع بشري لا بد أن نخطئ رغما عنا، وما دمنا كذلك لا بد أن تكون العقوبات ملائمة للأخطاء، مدروسة بعناية، فالأصل في العقوبات أن تكون رادعة وقابلة للتنفيذ، ليست من أجل التخويف، فالخطأ وارد في جميع الحالات؛ لبشريتنا.

قبل سنوات كنا نضيق بالأرقام الفلكية بالمئات والآلاف التي يعلنها بعض القضاة في أحكام الجلد، ونرى اليوم أن الأحكام المليونية المخيفة، وسنوات السجن الطويلة نابت محلها، فإذا كانت عقوبة التلفظ على الممارس الصحي تكلف الإنسان مليون ريال وعشر سنوات من حياته، فإن هذا يبرر أن تستمر الديات المليونية، وعلى هذا الأساس ربما تصبح الديات المليونية حكما شرعيا نافذا.

لا يجب أن نغفل عن بشريتنا، وعن أننا خطاؤون، ومعرضون للانفعال والخطأ بقصد أم بغير قصد، ويجب أن ندرك أن العقوبات المليونية والسجن المبالغ فيه يضران المجتمع، ولا يقتصر ضررهما على الجاني، فسجن أب أو أخ أكبر لعشر سنوات ربما يضيع أسرة، وعقوبة مليون ريال وأكثر ستضيع أسرا كذلك، من هنا يجب علينا الاقتصاد حتى في العقوبات، وهذا مطلب عادل، لأنه أساس الأحكام الشرعية المذكورة حدودها في القرآن الكريم.

في هذا الصدد قرأت في إحدى الصحف أن مجلس الشورى عام 2014 رفع مسودة قانون التحرش واقترح العقوبة خمس سنوات وغرامة مليون ونصف المليون، ولا أدري على أي أساس افترضوا أن مواطنا (قليل عقل) يتحرش بالنساء ويملك مليونا ونصف المليون، لكن العقلاء حين أقروا قانون التحرش كانت العقوبة السجن سنتين أو الغرامة مئة ألف ريال أو بهما معا، وهي عقوبات رادعة جدا ومنطقية.

أرجو من وزارة العدل أن تعيد النظر في هذه العقوبات المليونية المعلنة من جهات مختلفة، وأن تدرسها بعناية، ثم تكيفها قانونيا بما يتماشى مع الواقع والمنطق من جهة، ومع الأحكام القضائية من جهة أخرى، فللأحكام درجات واعتبارات، وسيكون من ضمنها اعتبار مكان المعتدى عليه، سواء في مستشفى أو مدرسة أو محكمة أو حتى في مجلس الشورى، لكن ذلك لا يصل إلى مضاعفة العقوبة، فإن كانت عقوبة هذه الاعتداءات على المواطن ستة أشهر فأضف إليها شهرين أو ثلاثة على الأكثر، أو غرامة مناسبة لاعتبار المكان أو صفة المعتدى عليه، ولا يترك الأمر للجهات أن تقرر ما تراه وتضاعف العقوبات عشرات المرات، فربما تحذو الوزارات الأخرى حذو وزارة الصحة، وتعلن عقوبات الاعتداء والتلفظ على موظفيها بمليونيات أخرى، وحتى وإن قالوا (تصل إلى) فالأمر سيان، المبالغة واردة، كما نأمل النظر في مثلها من العقوبات المليونية الأخرى التي تستحق المراجعة، وعقلنتها بما يتماشى مع الواقع الوطني والبشري.

@ahmad_helali