',
الرأي
الخميس 10 رمضان 1440 - 16 مايو 2019
العقل في ميزان تنكة الريحان!

عندما كنت طفلا ـ في وقت ليس بعيدا ـ كنت أعتقد أن أكبر مشكلة في الحياة هي التخلص من أحد أبناء عمومتي، وقد خططت فعليا لاغتياله عند باب المسجد، كان باب المسجد تحت شرفة منزلنا مباشرة، وقررت أن أسقط على رأسه «تنكة» كانت في تلك الشرفة تزرع فيها جدتي، رحمها الله، البرك والريحان، لكني كنت نحيلا وضعيفا إلى درجة أني لم أستطع دفع تلك التنكة ونجا هو من موت رومانسي، كان ربما الوحيد الذي سيموت جراء القصف «بالتنكة الريحانية».

كان مستفزا، ويستغل تصديق الآخرين له باختلاق الأكاذيب، وينجو وحده من كل كارثة تسببنا فيها سويا، لكن القشة التي قصمت ظهر الحمار، وكانت السبب في اتخاذ قرار الاغتيال هي أنه نصب علي في مبلغ عشرة ريالات، كنت أعتقد وهي في جيبي أنني أغنى أهل الأرض، ثم بعد دقائق من حديث عابر معه صادر ثروتي، ونقل نقطة النون في «أغنى» وجعلها تحت الكلمة.

كبرت قليلا ثم اكتشفت أن تلك ليست أكبر مشكلة في الحياة، لأني قابلت نصابين أكثر احترافا من ابن عمي المسكين، واكتشفت أن أناسا يصادرون أعمار آخرين وليس مجرد عشرة ريالات. ثم تقدمت بي الأيام قليلا ووجدت أن الحياة شأن شخصي بحت، لا يمكن وصف الحياة بأنها قبيحة أو جميلة، أو سهلة أو معقدة، ليس هناك شيء اسمه أكبر مشكلة في الحياة، ولا أجمل شيء في الحياة. فكل إنسان له حياته الخاصة التي تختلف عن حياة الآخرين. وفهمت متأخرا لماذا لم يحزن أحد من أبناء عمي الكثيرين حين ضاعت ريالاتي ولم يعتبروا الأمر أكبر مشكلة في الحياة مثلما

فعلت.

هذا أمر بديهي، لكن المشكلة أنه رغم بداهته نتجاهله أحيانا، ونعتب على الناس لأنهم لم يحزنوا كما ينبغي حين كنا حزانى، ولم يتألموا بشكل كاف حين كنا نتألم، ولم يفرحوا بالشكل اللائق ونحن سعداء.

لا أحد يحمل همك أكثر منك، ولا يشعر بسعادة قلبك أكثر منك، لأن هذه حياتك وحدك لا علاقة لأحد بها غيرك، وحتى والديك حين يحملون همك ويحزنون أكثر منك في أساك ويسعدون لسعادتك أكثر مما تفعل فلأنك أنت أصلا جزء من حياتهم، ولا يعتبرونك آخر من الناس.

وعلى أي حال ..

ولأن حياتك تخصك وحدك، جرب أن تفكر وحدك، أن تستخدم عقلك، جرب أن يكون لك رأي خاص. وفي رحلة حياتك حاول أن تتأخر عن القطيع قليلا، تحجج بأنك متعب ودع القطيع يتحرك وحده وراقبه من بعد، وستعرف أن عقلك هو الشيء الوحيد الذي لم يكن يعمل طوال تلك الرحلة الشاقة.

@agrni


أضف تعليقاً