ربما كانت الصدفة وراء ظهور بعض مقاطع التحرش المقززة خلال الأيام الأولى من هذا الشهر ـ الذي هو شهر رمضان بالصدفة أيضا، وإن قلنا بأن عدم ظهور مثل هذه المقاطع لا يعني بالضرورة عدم وجود التحرش، فإن ظهور هذه المقاطع المصورة لا يعني أيضا أنه ـ أي التحرش ـ ظاهرة متفشية.

أظن أننا بشر طبيعيون ـ إن لم يخب ظني ـ وهذا يعني أن بيننا مختلين ومتجاوزين، وهذا سبب اختراع المجتمعات البشرية للقانون الذي يضبط سلوكياتهم ويحميهم من بعضهم البعض.

صحيح أن بعض الجرائم ـ مثل التحرش ـ تعتبر جرائم مستفزة، ومهما كانت العقوبة فإنها في نظر من طاله الأذى، أو حتى المتابع عن بعد تكون أقل من الأذى الذي يتعرض له المعتدى عليه، ولذلك فإني من الذين يطالبون بأن تكون عقوبات المتحرشين علنية، بل إني أحيانا أقول ـ بيني وبين نفسي بالطبع ـ بأن عقوبة المتحرش يجب أن تكون مثل عقوبة السارق، فالسارق تقطع يده والمتحرش يجب أن يقطع منه العضو الذي استخدمه في التحرش (لسانه، يده، رجله.. إلخ)، ولكن من حسن حظ المتحرشين أن وساوسي مع نفسي ليست الجهة التشريعية التي تقر الأنظمة والقوانين.

من ضمن العقوبات الإضافية التي تحدث عنها البعض عقوبة التشهير، والتشهير عقوبة قاسية ورادعة، لكني أخشى من أمرين حول هذه العقوبة، وهما أن التشهير يكون رادعا ومؤذيا لمن كان لديه شيء من إحساس أو ضمير، والمتحرش لا يتحرش ولديه شيء من هذا، ولذلك فلن يفرق معه الأمر كثيرا. لكن المثير للقلق أكثر هو أننا في عصر لا يمانع البعض فيه أن يكون مشهورا حتى ولو من خلال قضية تحرش، وقد تكون العقوبة باب ثراء وشهرة، ويصبح بعدها ضيفا على البرامج التلفزيونية يحدث الناس عن حياته وعن الصعوبات التي واجهها حتى أصبح ملهما. وربما نراه يمثلنا في الجمعيات الدولية والمؤتمرات المناهضة للتحرش والاعتداء على الآخرين. فالبجاحة من سمات هذا العصر هي الأخرى.

وعلى أي حال..

لن ينقرض المتحرشون والمتحرشات، فهم موجودون منذ تشكلت أول جماعة بشرية وسيبقون إلى أن يكف الإنسان عن الوجود، ولكن هذا لا يعني أن تمر أي جريمة تحرش دون عقاب، ثم إني أتمنى ألا يضطر المتأذي أو المتأذية إلى نشر مقاطع تعرضه للأذى حتى تكون قضايا رأي عام، لأن مما استقر في أذهان الناس أن بعض الجهات لا تتحرك حتى يتحدث الناس كلهم عن الجريمة أو القضية أو المأساة وتصبح تفاصيلها في كل هاتف جوال.

@agrni