تناقل المجتمع الأكاديمي في الآونة الأخيرة أخبارا سارة حول استقلالية الجامعات السعودية في كل النواحي الإدارية والأكاديمية والمالية، ومنح الصلاحيات لإداراتها لتسيير العمل ووضع الخطط، ومن ثم تحقيق الأهداف، مع بقاء دور محدود لوزارة التعليم يتمثل في مراقبة الإجراءات وتقييم الأداء النهائي.

وكلنا بلا شك نتمنى أن تحظى جامعاتنا باستقلالية تامة في قراراتها ومواردها، بل وكل شؤونها، ولكن ذلك يرتبط حتما بكفاءة مدير الجامعة الشخصية والعلمية - الذي يمنح كل الصلاحيات - ومدى امتلاكه صفات نفسية على المستوى الشخصي، وأهمها الثقة بالنفس والاتزان الانفعالي وغيرهما، بالإضافة إلى أهمية إلمامه بعلوم الإدارة ومهاراتها المعروفة وعلى رأسها دور القائد، وامتلاك الشجاعة التي تمكنه من الإقلاع تاركا منطقة الأمان والراحة - المعتادة - محلقا نحو التغيير والتطوير الذي يصعب حتما على من افتقد تلك الصفات النفسية والمهارات الإدارية.

وتكمن الخطورة في كون مدير الجامعة - وكفرد - يعطى صلاحيات كاملة وشاملة وحين يكون مفتقدا لما ذكر من صفات شخصية ومهارات إدارية فحتما سيتخبط ويستخدم صلاحياته تلك في غير ما منحت له، وربما كانت مآلاتها في النهاية غير محققة لأهداف الجامعة، بل وضد مصلحة الوطن، وتسير في خط مناهض لرؤيته وتعليمات قيادته. هذا على مستوى المصلحة العامة، ناهيك عن مصالح الأفراد منسوبي الجامعة من أكاديميين وموظفين وطلاب، والذين بلا شك ستقع عليهم أضرار بالغة بسبب إدارة كتلك، تملك كل الصلاحيات وتفتقد جل مهارات الإدارة وعلومها.

ناهيك أخيرا عن نموذج (التعلم بالقدوة) والذي تشير إليه أغلب النظريات الحديثة في الإدارة وعلم النفس كأهم مطلب لتحقيق الأهداف بنجاح وتميز في أي مجال، سواء على مستوى محدود كما هو دور الأب - القدوة - في الأسرة وتربية أطفاله، أو على أعلى مستوى كما هو دور المدير - القدوة - في أي جهاز حكومي وخاصة الجامعات التي تحوي آلاف الأكاديميين والموظفين، فكيف نطالب منسوبي الجامعة خاصة عمداء الكليات ورؤساء الأقسام بالتغيير والتطوير ومن على رأس الهرم ليس لديه المهارات، بل ولا الصفات النفسية التي تؤهله لاستيعاب وفهم ذلك، وكما قيل «الإنسان عدو ما يجهل»، فلا يجد بدا حينها من مجابهة أي تطوير أو تغيير ينبع من أي قسم أو كلية وعمادة، بل ويعده خروجا عن المألوف وجالبا للمشاكل له ولإدارته، كما يرى، ونجده في النهاية بكل أسف ليس فقط غير قادر على التطوير والتغيير المنشود، بل ويصطف في الصف المواجه والمجابه لذلك، مما يساهم بشكل مباشر في تراجع الأداء وتدني مستوى الجودة.

وكيف نؤمل من منسوبي الجامعة الالتزام بالأنظمة وتفعيل اللوائح وجلهم أو بعضهم يرى خروقات نظامية كبرى على المستوى العلمي الأكاديمي والإداري والمالي، وقد لبست بالنظام ولونت بصلاحيات المدير، والتفسيرات الرمادية للوائح، أو على الأقل تم الصمت تجاهها وغض الطرف عن مآلاتها السلبية، سواء على مستوى مصلحة الوطن وتحقيق رؤيته العظيمة وآمال قادته، أو على مستوى المصالح الفردية وانتهاكها مما لا يتفق مع الشرع ولا مع الأنظمة واللوائح المعتمدة.

ولذلك أعود وأؤكد أننا نؤيد بل ونطالب باستقلالية الجامعات، ولكن بشرط أن يسبق ذلك تفعيل معايير (الانتقاء المهني) لمديري الجامعات، بل ولكل من يكلف بعمل قيادي، والمعروفة على مستوى العالم والتي تعتمد على مقاييس عالمية مقننة نفسية وعلمية لاختيار الكفاءات ممن يملكون صفات نفسية شخصية وعلمية إدارية لمن سيتولى منصب كمدير الجامعة، تؤهله لقيادة الجامعة نحو الإبداع وتحقيق أهدافها بجهد أقل وجودة أعلى.