اقترب رمضان وهو شهر تستشرف النفوس بلوغه بدعاء دائم لرب العالمين، وفيه الحرمان الشريفان مقصد مؤكد لقصدهما دائما، وقراءة الأئمة فيه حكايا الناس في ليالي رمضان استعذابا وطلبا، فكيف بهما حين نصلي عشاء يوم أو مغربه خلف شيخ القراء ومالئ الدنيا وشاغل الناس عبدالباسط عبدالصمد رحمه الله.

تخيلت ذلك فعرفت أن القراءة المتأنية التي تقف عند نهاية كل آية وقتا للتدبر والتأمل والشبع مما سُمِع آنفا سنة المجتمع في عهد النبوة وصدر الخلافة الراشدة، حتى لكأن الآية تتكلم وحدها بكلام يخص كل من يستمع في امتثال كامل تام راق لأمر ربي عز وجل (فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، وما ذلك إلا لأن للقرآن مع القراءة حالات، ولكل مقام طريقة واسترسال.

ربما صلاة التراويح أو التهجد الهادفة لختم كتاب الله في مقصد مشروع يستساغ معها حدر وبعض تتال لبلوغ ذلك الأرب في آخر رمضان، لكن نهي ربي عز وجل المتمثل في قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) في عمومه داع لما أهدف له حين أسمع قول ربي عز وجل أيضا (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) في شمول معنى لا في اختصاص سبب.

ثم إن قراءة العلم البارز الشهير الشيخ عبدالباسط عبدالصمد للقرآن العظيم قراءة تلاوة هادئة بطيئة في متعة راقية وفي تؤدة جميلة وفي استحسان إعادة تستحق أن تكون قدوة إمام من أئمة الحرمين حين يصلي الفرض على الأقل، فلسنا في عجلة من أمرنا أن ننصت خاشعين لآية أو آيتين تصح الصلاة بها، أو أن تخشع آذاننا منصتين لسورة قريش أو سورة الشرح بمثل ما يقرأ عبدالباسط.

القرآن العظيم يُجمع الناس على أن التفنن والإبداع والترنم بقراءته سبيل الداعين للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ونحن في وطننا الذي شرفه ربي بالحرمين الشرفين أولى أن تعزم الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أمرها حيال اتجاه كهذا يرفع سقف الخشوع في صلوات الفروض لمستوى يأمله المؤمنون.

حين يستمع غالب الخلق لأداء عبدالباسط عبدالصمد وهو يتغنى ويزمر بسورة التكوير يقفون عند كل حرف وقفة انبهار، وعند كل كلمة وقوف إكبار، وعند كل آية استيقاف طلب أن لا تنتهي القراءة ولا ينقطع النغم الخالد بكلام الخالق سبحانه الذي يعلو ولا يعلى عليه.

أزعم بأن تدريس أساليب القراءة للعمالقة مثل عبدالباسط والمنشاوي والطبلاوي وغيرهم من قراء عالمنا الإسلامي الذين ترووا في الترتيل حتى لكأن ما يقرؤون مس جبلا فخشع وتصدع من خشية الله الذي أنزل الكتاب هو من غايات المحفظين والمقرئين ومدارس التعليم القرآني، وهو كذلك صفات استباق ومهارات اكتساب يسعى لها كل من تصدر لإمامة المسلمين في صلاة هي عمود الدين وشعيرة التقوى.

ولا أظن أن أئمة الحرمين الحاليين - رعاهم الله - إلا قادرون على مواءمة مسطرة ما أعنيه، ولو أعجزهم التقليد وأعيتهم المحاكاة.

فما أجمل أن تصلي الفجر وتسمع آيات من سورة الرحمن بوقف ماتع عند كل آية، وما أحلى أن تصلى المغرب وتنصت لآيات من سورة هود تعطيك فرصة أن تتدبر كل سياق وكأنه عليك أُنزل.

المهل المهل في تلاوة القرآن العظيم، والأناة الأناة في قراءة القرآن الكريم، والتحبير التحبير في ترتيل القرآن المجيد، دعوة ومبادرة أتمنى أن تأخذها رئاسة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي بعين القبول ورغبة التطويع والتجربة في رمضاننا المقبل الذي أسأل الله تعالى أن يبلغنيه وإياكم.

فختم القرآن بركة كبيرة جدا، ولكن سماع القرآن في صلوات لا استهداف فيها للكم يحتاج إعادة نظر، ولعلنا بذلك نسبق في استقطاف عجائب كلمات ربي التي ينفد مدادها لو كان بحرا ولا تنفد هي.

رحمك الله يا عبدالباسط عبدالصمد، ما أعظم ما ورثت لأمة الإسلام شرقا وغربا رغم كل هذه السنين من قرآن يتلى بقصة جودة خاصة بك.