لا أتفق مع الفكرة التي تقول بأن «الإرهاب لا دين له»، فالإرهاب دين مستقل بذاته، وحين يصل الأمر إلى القتل فإن هذا يعني ببساطة أن الإرهابي قد وصل إلى أعلى مراتب «الإيمان» بأفكاره، وحين تقتل إنسانا من أجل فكرة فإن هذا يعني أن إيمانك بفكرتك وصل إلى مرحلة اليقين الذي لا شك فيه.

وداخل دين الإرهاب نفسه مذاهب مختلفة، مثل أي دين آخر، وتقسيم الإرهاب إلى مسلم ومسيحي ويهودي وبوذي مسألة لها علاقة بالتسويق أكثر من علاقتها بالأديان نفسها.

ولكن ومع وضوح هذه الفكرة إلا أنه وبسبب قانون «القوة» أصبح جائزا أن نتحدث عن الإرهاب الإسلامي حين يرتكبه إرهابي إسلامي، ونسمي أي إرهاب ليس له طابع إسلامي «إرهاب فقط» دون أن نعيده إلى خلفيته التي جاء منها. وهذا طبعا في أفضل أحوال «الإنصاف»، لأن المعتاد أن يسمى أعمال عنف أو هجوم مسلح، وفي الغالب يكون «المهاجم» مختلا عقليا أو مريضا بعلة يتم اختيارها لاحقا.

حين يكون الفاعل مسلما فإننا نحاكم التاريخ والجغرافيا ونستدعي ابن تيمية من قبره، ونوجه أصابع الاتهام إلى محمد بن عبدالوهاب وننبش الكتب بحثا عن المحرضين الذين ماتوا من مئات السنين.

نجتهد في فعل ذلك لأن الرجل الأبيض القوي الذي يسيطر على العالم يفعله، لكن الجميل أننا لا زلنا ـ حتى الآن ـ نتحرج من موافقته على اتهام القرآن نفسه بأنه مصدر الإرهاب الأول. صحيح أن «بعضنا» يحوم حول الحمى ويريد أن يقول ذلك فيتهم كل ما حول القرآن ويلمح إلى مصادر السنة، وإلى كتب التفسير ولكنه غالب هذه الفئة القليلة لا زالوا أجبن من التصريح علانية بقناعاتهم أن القرآن كتاب دموي متخلف لا يليق بهذا العصر.

وبهذه المناسبة فإني أشكر الإرهابي الصليبي المسيحي المجرم القاتل مرتكب المجزرة في مسجدي نيوزيلندا، لأنه ببساطة كتب ووثق وصور، وفوت الفرصة على كل الذين سيبحثون له عن مبررات لا يريدها، فقد أوضح أنه ينطلق من أسباب عقائدية وعنصرية، واليمين المتطرف في الغرب ينطلق من ذات المنطلقات ويتنامى ويصبح تأثيره أكبر بشكل يومي.

وأنا هنا أتكلم عن الإرهاب الصليبي الشعبي أو «القطاع الخاص»، لأن القتل حين يتم بواسطة الحكومات لا يسمى إرهابا حتى وإن قتلت الملايين وشردت أمثالهم ومسحت دولا بكاملها من الخريطة وأحرقت كل ما تطال يدها، الأرض والشعب والشجر والهواء والماء.

الرجل الغربي الأبيض الذي يتحدث عن قلقه من «الإرهاب الإسلامي» جال كوكب الأرض طولا وعرضا يقتل الناس ويسرق مقدرات الشعوب ويسترق الأحرار رجالا ونساء وأطفالا باسم «الصليب». ومع أني أحب السلام وأتمنى أن تنقرض الأسلحة من هذا الكوكب ـ التي يصنعها الرجل الأبيض الصليبي ـ إلا أني لا أستسيغ كثيرا شكوى مخترع الإرهاب من الإرهاب، ولا أستسيغ أكثر أن يغني معه الضحايا هذه الأغنية.

خذ مثال إسرائيل وداعش، فكرتان متطابقتان تماما إلى حد الاستنساخ في الإجرام والإرهاب والاعتماد على أسس دينية، لكن أحدهما دولة يحترمها العالم الأبيض والأخرى أيقونة الإرهاب التي يتم تخويف الآخرين من وجودها وخطرها.

وحين يتم اتهام المسلمين بالتحريض فماذا يمكن تسمية ما قيل في العشر السنوات الأخيرة فقط في وسائل الإعلام الغربية عن المسلمين وكيف تم إظهارهم في الأفلام وفي نشرات الأخبار وفي المقالات وفي الكتب، إذا لم يكن هذا تحريضا وتحقيرا ودعوة للامتهان وسفك الدماء فمن الأفضل حذف هذه الكلمات من المعاجم.

وعلى أي حال..

القاعدة رقم واحد في علاقات الشعوب والأمم باختلاف أديانها ومذاهبها وحضاراتها: إذا لم تحترم نفسك وتاريخك وحضارتك وفكرك، فلن يحترمك أحد. في أفضل الأحوال ومهما أجدت في محاكاتهم فسيعتبرونك تابعا تجيد التقليد، وفي الغالب ستكون كل أفعالك في نظرهم مثيرة للضحك، تماما كالأسد وهو يقلد مشية الزرافة. وتذكر «لن يسمحوا لك بأن تقلدهم في كل شيء، لن تكون حرا حتى في اختيار ما تريد تقليده».

@agrni