الرأي
الجمعة 7 رجب 1440 - 15 مارس 2019
متحف الصافية.. وظهور البقية!

الناظر إلى حال كثير من المتاحف في بلادنا يصيبه الألم الشديد، مجرد اجتهادات فردية، وبإمكانات متواضعة، على الرغم من أهميتها البالغة للدول، إذ تمثل معلما من معالمها، فهي أوعية لحفظ الآثار، والمقتنيات النادرة، والمنحوتات الجمالية واللوحات الفنية، وكل ما يتصل بالتراث الإنساني والحضاري، وبعضها يضم أعمالا علمية وفنية، ومعلومات تاريخية وتقنية. وهي تقوم بجمع، وحفظ، وبحث، وتأصيل وعرض التراث الإنساني وتطوره.

وللمتاحف رسالة مهمة لا تقل عن غيرها من الأجهزة الثقافية من حيث التنمية الحضارية والارتقاء بأذواق الشعوب، فهي إحدى الوسائل الخدمية التي يفترض أن يستفيد منها كل فرد في المجتمع بلا استثناء للتزود بجرعات من العلم والثقافة والمعرفة المباشرة التي تقدمها المتاحف باعتبارها أوعية للثقافة من خلال المشاهدة المباشرة، وهو ما يسهم في تحريك الوجدان وتنوير العقول وتعميق الثقافة.

وقد تم الإعلان عن تأسيس وإنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم ضمن رؤية المملكة 2030، قائم على الإرث التاريخي لبلادنا، ولا سيما أنه يعود إلى انطلاق رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي بعث من مكة المكرمة لتصل رسالته إلى العالم أجمع، إضافة إلى تأسيس أول مجتمع إسلامي عرفه التاريخ في المدينة المنورة.

ولا شك أن إنشاء أكبر متحف إسلامي في هذه البلاد سيمثل نقلة نوعية لآثار وتاريخ الجزيرة العربية، وسيسهم في رسم صورة الإسلام الصحيحة وترجمة نموذج مشرق لهذه البلاد المباركة.

وسيمثل المتحف أكبر محتوى للآثار الإسلامية، ويتوقع أن يكون مجمعا لما تكتنزه بلاد الحرمين من مآثر نبوية وكنوز تاريخية، وإرث معرفي يمتد لآلاف السنين.

من الناحية التربوية فإن الإنسان يدرك جيدا أهمية الماضي، حيث بذلت الثقافات القديمة كثيرا من الجهد واستغرقت الوقت لتعليم الشباب التاريخ. وأيقن هؤلاء أن الفهم العميق للماضي يساعد الجيل على تكوين شخصيته واستيعاب هويته الإنسانية.

ومن الناحية الاقتصادية فإن المتاحف تشكل مصدر دخل كبيرا، ولها مردود مالي وعائد إيجابي على ميزانيات الدول، إضافة لدورها الإعلامي الذي يشكل نقطة محورية لنقل تاريخ وإرث أي دولة لزائري المتاحف، مما يعني أن العراقة ستكون ماثلة للعيان، وكأننا بذلك نقدم حضارتنا بكامل محتوياتها بعبق الماضي التليد والحاضر المجيد.

ما زالت تلك العبارة التي أطلقها ولي العهد الأمين تتردد على مسمعي وترتسم أمام ناظري، عندما قال بالحرف الواحد «هل يعقل أن قبلة المسلمين لا يوجد فيها متحف إسلامي؟».

ومؤخرا وضع أمير منطقة المدينة المنورة حجر الأساس لمشروع متحف وبستان «الصافية» جنوب المسجد النبوي الشريف على مساحة 4419م، ويحوي ثلاثة أجزاء رئيسة تشمل الحديقة الثقافية ومنطقة العرض المتحفي، إضافة إلى المنطقة المخصصة للخدمات التجارية والترفيهية.

ويتوقع الانتهاء من تنفيذه في الربع الثالث من عام 1441هـ ضمن برنامج أنسنة المدينة المنورة، ليجسد أنموذجا مميزا في تصاميم البناء تتجانس مع هوية المدينة المنورة من حيث تكوينات المبنى الرئيس للمشروع، وبساتين النخيل الموزعة بطريقة هندسية بين الطوابق على شكل مدرجات تحيط بها الأحواض والنوافير المائية المطلة على الحديقة والمقاهي والمطاعم والمحلات التجارية ليشكل بيئة جاذبة للزوار.

ويحمل متحف وبستان الصافية سمة وخصائص المشاريع الثقافية التي تقدم عروضا متحفية رقمية متنوعة من خلال توظيف الإمكانات السمعية والبصرية المتكاملة، بهدف المساهمة في خلق بيئة سياحية جاذبة في المنطقة المركزية بالمدينة المنورة.

ولعل هذا المتحف يشكل نقطة انطلاقة لمتاحف عدة يتقدمها المتحف الأكبر الذي أعلن عنه ولي عهدنا، وننتظرها بفارغ الصبر، لتنعم بلادنا بمثل هذه الإشراقات التاريخية والأوعية المعرفية التي تقدم حضارتنا للغير بحلة قشيبة وثوب من البهاء. وإن غدا لناظره قريب.

aalqash1@gmail.com


أضف تعليقاً