',
الرأي
الخميس 6 رجب 1440 - 14 مارس 2019
كنت «احسبك صايم مصلي!»

لست مهتما كثيرا بمن يحكم تركيا أو من يدير شؤون البلاد في السلفادور، أو من هو القائد الملهم لشعب الملاوي. هذه أمور في الغالب يجب ألا تكون ضمن اهتمامات شعوب أخرى. لكن عدم الاهتمام لا يعني عدم الحديث، فالكلام حق مشروع لكافة المخلوقات البشرية. والكلام بالكلام يذكر، فإن الزعيم التركي الحالي يعتبر تقريبا ليس فقط أكثر الحكام كلاما، ولكني أعتقد أنه أكثر البشر الأحياء كلاما ـ لست متأكدا من الأموات ـ. فلا يكاد يمر يوم دون أن تكون له خطبة عصماء، وتكمن المشكلة في أنه يجيد بشكل ملفت ويستحق الإعجاب تقمص دور «الصادق»، وهذا وجه الاختلاف بينه وبين بعض الزعماء الثرثارين المعاصرين الذين يتكلمون كثيرا وبمناسبة وبدون، لكنهم يبدون كاذبين وساذجين وبلهاء ولا يقنعون حتى زوجاتهم.

والعرب يقعون كثيرا في فخ الزعيم الذي يجيد الخطابة، ولذلك كان عبدالناصر ملهما للشعب العربي، وأيقونة الاعتزاز والفخر والانتماء لدى كثير من بني يعرب، مع أنه ـ رحمه الله ـ لم يكن يفعل شيئا غير الكلام، وخسر كل الحروب التي دخلها، وفقد العرب في عصره الميمون ما تبقى من فلسطين، وذهبت القدس ولم تعد حتى اليوم.

لكنه كان بطلا قوميا، كيف ولماذا؟ الله أعلم.

والعرب معذورون ربما في تلك الأيام، فلم تكن المعلومة متوفرة مثل اليوم، وحين كانت إذاعات عبدالناصر تقول إن اليهود سيرمون في البحر لم يكن أمام العربي خيار آخر سوى التصديق، وإلى أن تأتيه المعلومة يكون حب «الزعيم الملهم» قد تغلغل في فؤاده، فيبرر هزائمه ويدمح «نكساته».

اليوم أقف عاجزا عن فهم «الإردوغانيين»، فملهمهم يتحدث عن إسرائيل تماما كما كان يفعل الزعيم الذي أضاع القدس، لكن الفارق بينهما أنه يعلم ومريدوه يعلمون، واليهود يعلمون والأقصى يعلم أن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل قد زاد عدة أضعاف منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا، وأن العلاقات الصهيونية التركية لم تكن بهذا القدر من التنسيق والتعاون في كافة الأصعدة قبل وصول الحزب الإردوغاني إلى هرم السلطة التركية.

وحين تقترب الانتخابات في تركيا يرفع الزعيم التركي وتيرة هجومه ـ الكلامي بالطبع ـ على إسرائيل، وتصبح كلمة الأقصى أكثر الكلمات تكرارا في خطبه الكثيرة. المعضلة التي لا أجد لها تفسيرا هو أن هذا الأمر ينجح في كل مرة، ويتكاثر القطيع الذي يردد عباراته الرنانة، وأن تحرير الأقصى أصبح على بعد خطبة أو خطبتين يلقيهما الزعيم الملهم «رجب الفاتح».

ومن الملاحظ أن الزعماء الذين كانت ألسنتهم مفاتيح القلوب العربية يجمعهم رابط واحد، وهو الرغبة في التوسع. وهو يفعل ذلك متجنبا أخطاء عبدالناصر في الدخول في حرب مع إسرائيل، الكلام وحده يكفي ويزيد ليدخل قلوب العرب دون حاجة لدخول القدس نفسها.

وعلى أي حال..

السؤال الذي يحاول محبو الزعيم المفوه تجنب سماعه فضلا عن الإجابة عليه هو: لماذا يحاول كسب «القلوب العربية» مع أنها لن تصوت في الانتخابات التركية، ولن يكون لها دور في بقاء حزبه في الحكم؟

ولست قلقا حيال الذين قد لا يعجبهم حديثي عن الثرثار الجديد، سأكتب مقالا أقول فيه إني سأحرر القدس، والأمر لا يحتاج أكثر من الحديث عن الرغبة، أما العمل فلا داعي له في معركة كسب قلوب العرب المرهفة المحبة للكلام.

agrni@


أضف تعليقاً