أماني يماني - مكة المكرمة

دأبت إدارات الولايات المتحدة المتعاقبة منذ ثمانينات القرن الماضي على وصف إيران بأنها «دولة مارقة»، بسبب دعمها المتواصل للإرهاب والجماعات المتشددة، وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، وسعيها للتكنولوجيات النووية.

وفي حين أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن النظام الإيراني أكبر ممول للإرهاب في العالم، وأنه «ديكتاتورية فاسدة تسعى دوما للحصول على أسلحة نووية»، عزز وزير الخارجية مايك بومبيو هذا الموقف في عدد من التصريحات السياسية التي دعا فيها إيران إلى أن تكون دولة «طبيعية». لكن ما هي بالضبط الحالة الطبيعية في النظام الدولي الحالي؟ وكيف يتم القضاء على ديكتاتوريتها الفاسدة؟

ذكر تقرير بمجلة الفورين بوليسي أن السلوكيات التي تحتاج إيران إلى التخلي عنها لتصبح طبيعية في نظر واشنطن هي في الواقع إشكالية، لكن هذه السلوكيات تمارس عادة من قبل الدول الأخرى التي تميل الإدارات الأمريكية إلى اعتبارها عادية تماما.

السلوكيات الخبيثة

من وجهة نظر واشنطن، يبدو كما لو أن قوة متوسطة الحجم بحجم وإمكانات إيران يجب أن تحافظ إما على تحالف مع قوة عظمى، أو إذا تبعت سياسة عدم الانحياز، يجب أن تفعل ذلك دون ممارسة نفوذ خارجي أو تحد لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ومع ذلك، لا تناسب إيران هذا النموذج، حيث تسعى لتحقيق مصالحها في المنطقة دون الاهتمام برغبات واشنطن. وينظر إلى هذا على أنه تهديد غير مقبول وسلوك غير طبيعي من جانب الولايات المتحدة، ويسهم في وضع إيران المارق، ويشدد من إصرار الإدارة الأمريكية على وقف تصرفات إيران وسلوكياتها الخبيثة.

جماعات إرهابية

صحيح أن إيران منذ الأيام الأولى كانت تتبع أنشطة خارج الحدود الإقليمية، وهي ممارسة تشترك فيها مع الحكومات الثورية في أماكن أخرى، ولا سيما في أمريكا اللاتينية، ولكن في حالة إيران، على مدى العقود الأربعة الماضية، تحولت الشراكات مع الجهات الفاعلة غير الحكومية خارج أراضيها إلى أصول استراتيجية محورية لبقاء إيران.

ويعد حزب الله في لبنان وكيلها الأكثر شهرة، مثلما أنشأت طهران عددا من الميليشيات الموالية لها في العراق المجاور، والتي يعود تاريخها إلى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003. وتتنوع هذه الجماعات وتشمل منظمة بدر وكتائب حزب الله، وهي فرع من العناصر المدعومة إيرانيا لجيش المهدي التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، ومن خلال هؤلاء الوكلاء، سعت إيران إلى تحدي المصالح الأمريكية وممارسة النفوذ في العراق وسوريا.

طهران لن تصبح دولة طبيعية

في الأيام التي تلت 11 سبتمبر، ساعدت إيران الولايات المتحدة في محاربة عدوها المتبادل «طالبان» من خلال القنوات الخلفية، وبدأ البلدان التعاون الذي استمر خلال المرحلة الأولى من الحرب. ولكن النوايا الحسنة لم تولد حسن النية، مثلما وعد الرئيس الأمريكي جورج إتش. دبليو. في عام 1989، لكن في يناير 2002، وصف ابنه، في خطابه عن حالة الاتحاد، إيران بأنها جزء من «محور الشر». وكما ذكر ريان كروكر، وهو مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية، «كلمة واحدة في تغير الخطاب التاريخ».

إذا كانت الولايات المتحدة تريد حقا أن تتراجع إيران وتتخلى في نهاية المطاف عن سياساتها الإقليمية العدوانية، عليها أن تدرك أن إيران لن تصبح دولة طبيعية حتى يتم التعامل معها كذلك. يجب على واشنطن أن تبدأ بالابتعاد عن الاستثناء الذي يحدد «المارق» على أساس ما إذا كان مصدره في طهران.

خارج نطاق القانون

إن حكومة الولايات المتحدة على حق في أن إيران لديها سجل طويل من انتهاكات حقوق الإنسان التي انتقدها مرارا النشطاء والمؤسسات الدولية، فمنذ السنوات الأولى للثورة مع قمع الحكومة لحركات التمرد المحلية، واحتجاز الرهائن، والإعدام الجماعي للسجناء السياسيين، بمن فيهم السجناء المرتبطون بمجتمع مجاهدي خلق في صيف عام 1988، انتهكت إيران باستمرار المعايير الدولية لحقوق الإنسان من خلال أعمال خارج نطاق القانون.

خطف الرهائن

كانت ممارسة الحكومة الإيرانية المتمثلة في أخذ الرهائن بعد ثورة 1979 هي السبب الأساسي لوضع إيران المنبوذ خلال سنوات رونالد ريغان، في هذه الأيام، ترتبط سمعة إيران كدولة مارقة عادة بسياستها الإقليمية والمحلية، ولا سيما دعمها للعناصر الفاعلة غير الحكومية مثل حزب الله وانتهاكات حقوق الإنسان في الداخل. ومع ذلك، فإن مراجعة سلوك واشنطن تشير إلى أن الولايات المتحدة قد تغفل على الأرجح عن عدد من أفعال إيران البغيضة، كما فعلت في عهد الشاه قبل عام 1979، حيث لم تكن طهران تتحدى النظام الدولي وتتحدى المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

نفوذ وليس إرهابا

دعم الجهات الفاعلة غير الحكومية والتدخل في البلدان الأخرى من خلال وكلاء ليسا أمرا فريدا من نوعه على الإطلاق، وغالبا ما تنخرط الولايات المتحدة والدول العادية الأخرى في الممارسات نفسها لكن دون أن تمارس الإرهاب..على سبيل المثال:

  • أنفقت الولايات المتحدة المليارات على دعم المقاتلين الأفغان في الثمانينات، وقدمت المال والأسلحة ذات التطور المتزايد.
  • دعمت إدارة ريغان ووكالة المخابرات المركزية الفصائل المتمردة داخل نيكاراجوا عن طريق إرسال مساعدات عسكرية وأسلحة إلى الكونترا.
  • دخلت الحكومة الأمريكية في شراكة مع القوى السورية الديمقراطية التي يهيمن عليها الأكراد، وهي جهة غير حكومية مهمة في منطقة تهيمن عليها تركيا، وهي حليف للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تعارض بشدة حق تقرير المصير الكردي.
  • الدعم الروسي للجهات الفاعلة يمثل أيضا ممارسة شائعة وجزءا من الاستراتيجية الحالية للرئيس فلاديمير بوتين، ولا سيما في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا، بدعم أوروبي انفصالي.
  • الشيء نفسه كان صحيحا خلال محاولة الانقلاب في الجبل الأسود عام 2016. قد ترى واشنطن روسيا كممثل سيئ وتفرض عقوبات مستهدفة، لكنها لا تعامل كدولة مارقة أو منبوذة.