تحمل المسؤولية الاجتماعية أو التنمية المجتمعية واجب على كل عمل مؤسسي في أي مجتمع، والتزام أخلاقي غير قابل للتفاوض، وتحديدا من المؤسسات الربحية التي تقدم خدمات مدفوعة الثمن، إذ ينبغي على الإدارة العليا أو التنفيذية في أية مؤسسة ربحية أن تنظر إلى المسؤولية الاجتماعية باعتبارها استثمارا طويل الأجل، يعود بالنفع على المؤسسة، ويلبي احتياجات المجتمع، مما يسهم في بناء علاقات استراتيجية مع الفرد والمجتمع للمساهمة في مواجهة تحديات التنمية المستدامة.

في المؤسسات المؤمنة بأهمية التنمية المستدامة للمجتمع، تغرس مفهوم المسؤولية الاجتماعية في أعمالها، وتمنح قدرا متميزا من اهتماماتها وبرامجها في خدمة المجتمع بصورة مستدامة. ولا تكتفي بذلك، بل تكرس ثقافة المسؤولية الاجتماعية أسلوبا للعمل والحياة معا، من خلال تشجيع العاملين لممارسة المسؤولية الاجتماعية والتفاعل مع احتياجات مجتمعهم، وتحفيز أفراد أسرهم للمشاركة في ابتكار مبادرات متميزة، قابلة لتحويلها إلى مشاريع ذات أثر إيجابي ومستديم.

وتتعاطى المؤسسات الرائدة مع المسؤولية الاجتماعية باعتبارها قيمة أخلاقية، ومنهج تفكير، وطريقة عمل، وأسلوب حياة، تلتزم بها في جميع أعمالها ومشاريعها، وتضمنها خططها الاستراتيجية. وهناك نماذج وطنية مضيئة، تستثمر بصورة سخية واستراتيجية في مجال المسؤولية الاجتماعية على صعيد المملكة، وكذلك إقليميا وعالميا، ومبادراتها ملموسة في مشاريع منفذة على أرض الواقع في مختلف المجالات البيئية والصحية والاجتماعية والتعليمية والثقافية والرياضية وغيرها.

يقابل ذلك، قائمة طويلة لمؤسسات اشتهرت بالربحية العالية وخذلان المجتمع، تأتي في مقدمتها البنوك والمستشفيات الخاصة، فهما وجهان لعملة واحدة، تأخذان من مال وصحة الإنسان، فمعظمها تقدم خدمات تجني من خلالها أرباحا مجزية، إن لم تكن عالية، ودون أية مساهمة اجتماعية تذكر.

والغريب أن بعض البنوك والمستشفيات الخاصة لا تكتفي بخذلان المجتمع، بل تذر الرماد في عيون المجتمع، وتنشر أخبارا عن تميزها في المسؤولية الاجتماعية والجوائز التي حصلت عليها في هذا المجال! والمتخصص يعرف طرق المشاركة في جوائز المسؤولية الاجتماعية التي تتصدى لها في كثير من الأحيان مؤسسات غير متخصصة في المجال، وبالتالي تختلف فيها الغايات والمعايير والممارسات، وبعضها تقبل ترشيح المؤسسات لنفسها للمنافسة على جائزة ما، وكثير من هذه الجوائز هي منصات للإبراز الإعلامي لا أكثر!

ومن المفارقات اللافتة أن هناك مجالس للمسؤولية الاجتماعية موزعة في مناطق المملكة تابعة لإمارات المناطق، وهناك جمعية وطنية للمسؤولية الاجتماعية، تابعة لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ويوجد أيضا المركز السعودي للمسؤولية الاجتماعية، غير أن تأثيرها في المشهد المحلي لم يبلغ الحد الأدنى من التوقعات.

وفي رأيي أنه حان الوقت لتأسيس مظلة سعودية لتأطير أعمال المسؤولية الاجتماعية، وتطوير ممارساتها في التنمية المستدامة للمجتمع، والمساهمة في تعزيز ثقافة المسؤولية الاجتماعية والوعي بأهميتها، وتربية أفراد قادرين على تحمل المسؤولية، وتخريج قادة يصنعون الفرق والتميز، وبناء مجتمع متماسك قوي. من خلال تحفيز منشآت القطاع الخاص على الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية في أعمالها والمجتمعات التي تعمل بها، وتقديم تقارير سنوية طوعية عن جهودها في هذا المجال الحيوي، وربما إطلاق مؤشر أو قائمة سنوية للمسؤولية الاجتماعية في السعودية، وتشجيع المؤسسات الربحية على اقتطاع نسبة دائمة من أرباحها لاستثمارها في مشاريع المسؤولية الاجتماعية، وكذلك حث العاملين في القطاع الخاص على التطوع بجزء من وقتهم الخاص لخدمة المجتمع، في ضوء التوجهات الوطنية للتنمية المستدامة.