الرأي
نظام المرور والغاية.. وشبهة الجباية!

لا أتصور نقاشا حول ضرورة تطبيق النظام المروري والتقيد بتعليماته والسير وفق إجراءاته، ومن الجميل أن يكون هذا في شتى مناحي الحياة، خاصة فيما يتعلق بالشأن العام، والمرور والسير في الطرقات من أهم هذه المناحي التي تهم الجميع.

لكن المتأمل يجد أن المجتمع بات يعيش حالة من التخوف والترقب، حيث صدرت أخيرا لائحة عقوبات مرورية جديدة، يبدو واضحا أن من وضعها لم يقم بدراستها بشكل كاف، فمبالغ الغرامات تجعل المرء يقف أمامها مندهشا إلى درجة الذهول، فهي أقرب إلى التعجيز، ولا تتفق إطلاقا مع واقع المواطن المعاش، والغاية المقصودة منها وهو التعويد على الالتزام.

وقد تداولها المتعاملون مع برامج الجوال وبرامج التواصل الاجتماعية على نطاق واسع، وكنت غير مصدق لها حتى انتقلت لموقع المرور الرسمي على الانترنت، ورأيتها بأم عيني، فازددت تعجبا واندهاشا!

وجميل هو نفي المسؤولين في المرور أن النظام ليس جباية، لكن المفترض هو التدليل على ذلك من الواقع، وإثبات ذلك عمليا وليس قوليا، فتغيير السرعات المفاجئ ورفع مبالغ الغرامات بين حين وآخر بلا مبرر، واستصدار مخالفات جديدة ووضع غرامات كبيرة مترتبة عليها، كيف لنا تسميتها؟!

وأكرر مطالبتي بالنظر إلى ما يجري في دول مجاورة، والإفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال الهام، والبدء من حيث انتهى الآخرون، فاستنساخ التجارب يعد ميزة في أي نظام، وعاملا رئيسا في إنجاح من يريد ذلك لنظامه، والحكمة تقتضي استقراء الواقع والنظر إلى أقصر الطرق للوصول إلى الهدف المنشود وبشكل مباشر.

التحفيز غائب تماما عن نظامانا المروري، ففي دولة مجاورة يتم تخفيض قيمة المخالفة إذا استمر السائق ثلاثة أشهر بلا مخالفات، وتسقط المخالفة إذا استمر ستة أشهر بلا ارتكاب أي مخالفة، فلماذا لا يتم تطبيق ذلك؟!

وما يجري حاليا من تطبيق لغرامات جرت مضاعفتها أضعافا عديدة بحجة إجبار السائق على الالتزام وتطبيق النظام قصريا على الجميع - والكل يؤيد الهدف وبقوة - لكننا نختلف في الأسلوب، فما الحاجة إلى فرض غرامات بهذا الشكل الذي لا يتفق إطلاقا مع الواقع الذي يعيشه المواطن والمقيم على حد سواء!

وأقصد أن الغرامة المفروضة يفترض أن تكون متوافقة مع الإمكانية التي يملكها من تطبق عليه، بحيث ينظر لمستوى الدخل، ونسبة الغرامة إليه، وإمكانية التسديد، وحينئذ يمكن للجميع التسديد وباقتناع تام.

لكن الواقع يقول إن مبالغ الغرامات تم الإيغال في حجمها حتى باتت خارجة عن نطاق السيطرة، ولك أن تتصور مخالفة تبلغ قيمتها 20000 ريال!

وما زال موضوع مضاعفة الغرامة يؤرق كثيرين ممن ارتكبوا مخالفات، فتجدهم لظرف أو لآخر لم يسددوا في الوقت المحدد والقصير جدا (شهر واحد فقط)، وعند محاولة السداد يجدها وقد تم إيصالها إلى الحد الأعلى (بحسب تعبير واضعي النظام المروري)، فيدعها، حتى بلغت مبالغ المخالفات لدى البعض عشرات الآلاف وربما تجاوزت سقف المئة ألف!

والأوضاع الاقتصادية لا تحتمل المزيد من التبعات المالية، والمضاعفة غير مبررة أصلا، والحكم الشرعي فيها قد تم الفصل فيه من قبل سماحة المفتي العام، ومع هذا يبقى واضع النظام مصرا عليها، فهل يتم العدول عنها؟

ويبقى الدور الإرشادي والتوعوي مطلبا ملحا، أما طريقة فرض الغرامات الموجعة والمبالغ المؤلمة وبشكل مفاجئ وبلا تدرج فلا أتصور أنها حل ناجع، وأخشى ما أخشاه أن تمتلئ السجون، لعجز المخالفين عن السداد، فتتعطل مصالحهم وتقفل شاشاتهم، بسبب المبالغ المتراكمة عليهم.

وأرجو ألا يفهم من مقالي أنني لا أؤيد فرض الغرامات، ولكنني أرجو أن تكون عقلانية وتتفق مع وضع السائق الاقتصادي وعدم المبالغة فيها، فهل وصلت الرسالة للقائمين على نظامنا المروري؟!

aalqash1@gmail.com


أضف تعليقاً